باب الغرق
قال شيخ الإسلام :
« ( باب الغرق ) قال اللّه تعالى :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
( 103 ) [ الصّافات : 103 ] هذا اسم يشار به في هذا الباب إلى من توسط المقام ، وجاوز حدّ التفرق » .
وجه استدلاله بإشارة الآية : أن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم لما بلغ ما بلغ - هو وولده - في المبادرة إلى الامتثال ، والعزم على إيقاع الذبح المأمور به : ألقاه الوالد على جبينه في الحال . وأخذ الشفرة .
وأهوى إلى حلقه - أعرض في تلك الحال عن نفسه وولده ، وفني بأمر اللّه عنهما . فتوسط بحر جمع السر والقلب والهمّ على اللّه . وجاوز حدّ التفرقة المانعة من امتثال هذا الأمر .
قوله : « فلما أسلما » أي استسلما وانقادا لأمر اللّه . فلم يبق هناك منازعة . لا من الوالد ولا من الولد ، بل استسلام صرف ، وتسليم محض .
قوله : « وتلّه للجبين » أي صرعه على جبينه ، وهو جانب الجبهة الذي يلي الأرض عند النوم ، وتلك هي هيئة ما يراد ذبحه .
قوله : « توسط المقام » لا يريد به مقاما معينا . ولذلك أبهمه ولم يقيده . و « المقام » عندهم :
منزل من منازل السالكين . وهو يختلف باختلاف مراتبه . وله بداية وتوسط ونهاية . ف « الغرق » المشار إليه : أن يصير في وسط المقام .
فإن قيل : « الغرق » أخص بنهاية المقام من توسطه . لأنه استغراق فيه بحيث يستغرق قلبه وهمه . فكيف جعله الشيخ توسطا فيه ؟ .
قلت : لما كانت همة الطالب - في هذه الحال - مجموعة على المقصود . وهو معرض عما سواه . قد فارق مقام التفرقة . وجاوز حدها إلى مقام الجمع . فابتدأ في المقام - وأول كل مقام :
يشبه آخر الذي قبله - فلما توسط فيه استغرق قلبه وهمه وإرادته ، كما يغرق من توسط اللّجّة فيها قبل وصوله إلى آخرها .
درجات الغرق
قوله : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : استغراق العلم في عين الحال . وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة . وتحقق في الإشارة . فاستحق صحة النسبة » .
هذه الدرجة التي بدأ بها : هي أول درجاته . لأن الرجل قد يكون عالما بالشيء ولا يكون متصفا بالتخلق به واستعماله . فالعلم شيء والحال شيء آخر . فعلم العشق ، والصحة ، والشكر ، والعافية غير حصولها والاتصاف بها . فإذا غلب عليه حال تلك المعلومات صار علمه بها كالمغفول عنه . وليس بمغفول عنه . بل صار الحكم للحال .
فإن العبد يعرف الخوف من حيث العلم . ولكن إذا اتصف بالخوف ، وباشر الخوف قلبه :
غلب عليه حال الخوف والانزعاج ، واستغرق علمه في حاله . فلم يذكر علمه لغلبة حاله عليه .
ومن هذه حاله فقد ظفر بالاستقامة . لأن العلوم إذا أثمرت الأحوال : كانت عنها الاستقامة في الأعمال . ووقوعها على وجه الصواب . وتحقق صاحبها في الإشارة إلى ما وجده من