ولكننا سبي العدو فهل ترى * نعود إلى أوطاننا ونسلّم ؟
وأيّ اغتراب فوق غربتنا التي * لها أضحت الأعداء فينا تحكّم ؟
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى * وشطّت به أوطانه ليس ينعم
فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة * من العمر إلا بعد ما يتألم
وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا ، وهو على جناح سفر . لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور ؟ فهو مسافر في صورة قاعد . وقد قيل :
وما هذه الأيام إلا مراحل * يحثّ بها داع إلى الموت قاصد
وأعجب شيء - لو تأملت - أنها * منازل تطوى . والمسافر قاعد
منزلة الاغتراب
قال صاحب المنازل : « الاغتراب : أمر يشار به إلى الانفراد عن الأكفاء » .
يريد : أن كل من انفرد بوصف شريف دون أبناء جنسه ، فإنه غريب بينهم . لعدم مشاركه ، أو لقلته .
درجات الأغتراب
قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الغربة عن الأوطان ، وهذا الغريب موته شهادة . ويقاس له في قبره من مدفنه إلى وطنه . ويجمع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام » .
لما كانت « الغربة » هي انفراد . والانفراد إما بالجسم ، وإما بالقصد والحال ، وإما بهما - كان الغريب غريب جسم ، أو غريب قلب وإرادة وحال ، أو غريبا بالاعتبارين .
قوله « وهذا الغريب موته شهادة » يشير به : إلى الحديث الذي يروى عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « موت الغريب شهادة » ولكن هذا الحديث لا يثبت . وقد روي من طرق لا يصح منها شيء . قال الإمام أحمد : هذا حديث منكر .
وأما قوله « ويقاس له في قبره من مدفنه إلى وطنه » فيشير به : إلى ما رواه عبد اللّه بن وهب :
حدثني حيي بن عبد اللّه عن أبي عبد الرحمن البجلي عن عبد اللّه بن عمرو قال : « توفي رجل بالمدينة - ممن ولد بالمدينة - فصلى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : ليته مات في غير مولده . فقال رجل : ولم يا رسول اللّه ؟ فقال : إن الرجل إذا مات قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة » رواه ابن لهيعة عن حيي بهذا الإسناد . وقال : « وقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قبر رجل بالمدينة .
فقال : يا له ، لو مات غريبا . فقيل : وما للغريب يموت بغير أرضه ؟ فقال : ما من غريب يموت بغير أرضه ، إلا قيس له من تربته إلى مولده في الجنة » .
قوله « ويجمع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم » يشير إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد :
حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن عبد اللّه بن أوس عن سليمان بن هرمز عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أحب شيء إلى اللّه : الغرباء . قيل : وما الغرباء ، يا رسول اللّه ؟ قال : الفرارون بدينهم ، يجتمعون إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة » .