تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 775

مساهمون:

ص٧٧٥
قال : « الدرجة الثانية : غربة الحال . وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم . وهو رجل صالح في زمان فاسد ، بين قوم فاسدين . أو عالم بين قوم جاهلين . أو صدّيق بين قوم منافقين » يريد بالحال هاهنا : الوصف الذي قام به ، من الدين والتمسك بالسنة . ولا يريد به « الحال » الاصطلاحي عند القوم . والمراد به : العالم بالحق ، العامل به ، الداعي إليه . وجعل الشيخ « الغرباء » في هذه الدرجة ثلاثة أنواع : صاحب صلاح ودين بين قوم فاسدين . وصاحب علم ومعرفة بين قوم جهال . وصاحب صدق وإخلاص بين أهل كذب ونفاق . فإن صفات هؤلاء وأحوالهم تنافي صفات من هم بين أظهرهم . فمثل هؤلاء بين أولئك كمثل الطير الغريب بين الطيور ، والكلب الغريب بين الكلاب . و « الصّدّيق » هو الذي صدق في قوله وفعله . وصدّق الحق بقوله وعمله . فقد انجذبت قواه كلها للانقياد للّه ولرسوله ، عكس المنافق الذي ظاهره خلاف باطنه ، وقوله خلاف عمله . قال : « الدرجة الثالثة : غربة الهمة . وهي غربة طلب الحق . وهي غربة العارف . لأن العارف في شاهده غريب . ومصحوبه في شاهده غريب . وموجوده لا يحمله علم ، أو يظهره وجد ، أو يقوم به رسم ، أو تطيقه إشارة ، أو يشمله اسم غريب . فغربة العارف : غربة الغربة . لأنه غريب الدنيا والآخرة » . إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها : لأن الغربة الأولى غربة بالأبدان . والثانية : غربة بالأفعال والأحوال . وهذه الثالثة : غربة بالهمم . فإن همة العارف حائمة حول معروفه . فهو غريب في أبناء الآخرة ، فضلا عن أبناء الدنيا . كما أن طالب الآخرة : غريب في أبناء الدنيا . قوله : « لأن العارف في شاهده غريب » شاهد العارف : هو الذي يشهد عنده وله بصحة ما وجد ، وأنه كما وجد ، وبثبوت ما عرف ، وأنه كما عرف . وهذا الشاهد : أمر يجده من قلبه . وهو قربه من اللّه ، وأنسه به ، وشدة شوقه إلى لقائه ، وفرحه به . فهذا شاهده في سره وقلبه . وله شاهد في حاله وعمله ، يصدق هذا الشاهد الذي في قلبه . وله شاهد في قلوب الصادقين ، يصدق هذين الشاهدين . فإن قلوب الصادقين لا تشهد بالزور البتة . فإذا خفي عليك شأنك وحالك ، فاسأل عنك قلوب الصادقين . فإنها تخبرك عن حالك . قوله « ومصحوبه في شاهده غريب » مصحوبه في شاهده : هو الذي يصحبه فيه من العلم والعمل والحال . وهو غريب بالنسبة إلى غيره ممن لم يذق طعم هذا الشأن . بل هو في واد وأهله في واد . وقوله : « وموجوده لا يحمله علم - إلى آخره » . يريد بموجوده : ما يجده في شهوده وجدانا ذاتيا حقيقيا في هذه المراتب المذكورة . لأن الشهود يشملها كلها حالة المشاهدة . فأما ما يحمله العلم : فهو أحكام العلم التي متى انسلخ منها انسلخ من الإيمان . وموجوده في هذه المشاهدة في هذا الحال : هو إصابته وجه الصواب ، الذي أراده اللّه
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 775 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى