تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 772

مساهمون:

ص٧٧٢
ومن هؤلاء الغرباء : من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « ربّ أشعث أغبر ، ذي طمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على اللّه لأبره » . وفي حديث أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة ؟ قالوا : بلى ، يا رسول اللّه . قال : كل ضعيف أغبر ، ذي طمرين لا يؤبه له . لو أقسم على اللّه لأبره » وقال الحسن : المؤمن في الدنيا كالغريب . لا يجزع من ذلها ، ولا ينافس في عزها ، للناس حال . وله حال . الناس منه في راحة ، وهو من نفسه في تعب . ومن صفات هؤلاء الغرباء - الذين غبطهم النبي صلى اللّه عليه وسلم - : التمسك بالسنة ، إذا رغب عنها الناس . وترك ما أحدثوه ، وإن كان هو المعروف عندهم . وتجريد التوحيد ، وإن أنكر ذلك أكثر الناس . وترك الانتساب إلى أحد غير اللّه ورسوله ، لا شيخ ، ولا طريقة ، ولا مذهب ، ولا طائفة . بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى اللّه بالعبودية له وحده ، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده . وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا . وأكثر الناس - بل كلهم - لائم لهم . فلغربتهم بين هذا الخلق : يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ، ومفارقة للسواد الأعظم . ومعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « هم النزاع من القبائل » أن اللّه سبحانه بعث رسوله ، وأهل الأرض على أديان مختلفة . فهم بين عبّاد أوثان ونيران ، وعباد صور وصلبان ، ويهود وصابئة وفلاسفة . وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا . وكان من أسلم منهم ، واستجاب للّه ولرسوله : غريبا في حيّه وقبيلته وأهله وعشيرته . فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزّاعا من القبائل ، بل آحادا منهم . تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ، ودخلوا في الإسلام ، فكانوا هم الغرباء حقا ، حتى ظهر الإسلام ، وانتشرت دعوته . ودخل الناس فيه أفواجا . فزالت تلك الغربة عنهم . ثم أخذ في الاغتراب والترحل ، حتى عاد غريبا كما بدأ . بل الإسلام الحق - الذي كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه - هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره . وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة . فالإسلام الحقيقي غريب جدا ، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس . وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدّا ، غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة . ذات أتباع ورئاسات ، ومناصب وولايات . ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول ؟ فإن نفس ما جاء به : يضاد أهواءهم ولذاتهم ، وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم ، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم ؟ . فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى اللّه على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم ، وأطاعوا شحّهم ، وأعجب كل منهم برأيه ؟ كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : « مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيتم شحّا مطاعا وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ورأيت أمرا لا يد لك به ، فعليك بخاصة نفسك ، وإياك وعوامّهم . فإن وراءكم أياما صبر
هامش
( 1 ) لعله حديث معاذ عند ابن مردويه . والظاهر : أن فيه تحريفا ، وأما حديث أبي ثعلبة الخشني فعبارة المشكاة فيه « حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه . ورأيت أمرا لا بد لك منه : أفعليك نفسك ودع أمر العوام . فإن من ورائكم أيام الصبر . فمن صبر قبض على الجمر » إلخ .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 772 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى