الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء . الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة » .
فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون . ولقلتهم في الناس جدا : سموا « غرباء » فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات . فأهل الإسلام في الناس غرباء . والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء . وأهل العلم في المؤمنين غرباء « 1 » . وأهل السنة - الذين يميزونها من الأهواء والبدع - فهم غرباء . والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين : هم أشد هؤلاء غربة . ولكن هؤلاء هم أهل اللّه حقا . فلا غربة عليهم ، وإنما غربتهم بين الأكثرين ، الذين قال اللّه عز وجل فيهم
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ الأنعام : 116 ] فأولئك هم الغرباء من اللّه ورسوله ودينه . وغربتهم هي الغربة الموحشة . وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم . كما قيل :
فليس غريبا من تناءت دياره * ولكنّ من تنأين عنه غريب
ولما خرج موسى عليه السلام هاربا من قوم فرعون انتهى إلى مدين ، على الحال التي ذكر اللّه . وهو وحيد غريب خائف جائع . فقال « يا رب وحيد مريض غريب . فقيل له : يا موسى ، الوحيد : من ليس له مثلي أنيس . والمريض : من ليس له مثلي طبيب . والغريب : من ليس بيني وبينه معاملة » .
أنواع الغربة فالغربة ثلاثة أنواع :
النوع الأول غربة أهل اللّه وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق .
وهي الغربة التي مدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهلها . وأخبر عن الدين الذي جاء به : أنه « بدأ غريبا » وأنه « سيعود غريبا كما بدأ » وأن « أهله يصيرون غرباء » .
وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ، ووقت دون وقت ، وبين قوم دون قوم . ولكن أهل هذه « الغربة » هم أهل اللّه حقا . فإنهم لم يأووا إلى غير اللّه ، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به . وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم . فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم ، فيقال لهم « ألا تنطلقون حيث انطلق الناس ؟
فيقولون : فارقنا الناس ، ونحن أحوج إليهم منا اليوم ، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده » .
فهذه « الغربة » لا وحشة على صاحبها . بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس . وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا . فوليه اللّه ورسوله والذين آمنوا ، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه .
وفي حديث القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال - عن اللّه تعالى - : « إن أغبط أوليائي عندي : لمؤمن . خفيف الحاذّ ، ذو حظ من صلاته . أحسن عبادة ربه . وكان رزقه كفافا ، وكان مع ذلك غامضا في الناس ، لا يشار إليه بالأصابع ، وصبر على ذلك حتى لقي اللّه ، ثم حلّت منيته ، وقلّ تراثه ، وقلّت بواكيه » .
هامش
( 1 ) وهل يكون إيمان صادق بلا علم ؟ أو ويكون إيمان صادق بلا محاربة للبدع والأهواء ؟ دعوة إلى هدى اللّه وجهاد في سبيله وطاعة رسوله ، وصبر على الأذى في مرضاته ؟ .