تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 773

مساهمون:

ص٧٧٣
الصابر فيهن كالقابض على الجمر » ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت - إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة . ففي « سنن أبي داود » و « الترمذي » - من حديث أبي ثعلبة الخشني - قال : « سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
[ المائدة : 105 ] فقال : بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحّا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوامّ . فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر . للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله . قلت : يا رسول اللّه ، أجر خمسين منهم ؟ قال ؛ أجر خمسين منكم » وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس ، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم . فإذا أراد المؤمن ، الذي قد رزقه اللّه بصيرة في دينه ، وفقها في سنة رسوله ، وفهما في كتابه ، وأراه ما الناس فيه : من الأهواء والبدع والضلالات ، وتنكبهم عن الصراط المستقيم ، الذي كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه . فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط : فليوطن نفسه على قدح الجهال ، وأهل البدع فيه ، وطعنهم عليه ، وإزرائهم به . وتنفير الناس عنه ، وتحذيرهم منه . كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى اللّه عليه وسلم . فأما إن دعاهم إلى ذلك ، وقدح فيما هم عليه : فهنالك تقوم قيامتهم ، ويبغون له الغوائل ، وينصبون له الحبائل ، ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله . فهو غريب في دينه لفساد أديانهم . غريب في تمسكه بالسنة ، لتمسكهم بالبدع . غريب في اعتقاده ، لفساد عقائدهم . غريب في صلاته ، لسوء صلاتهم . غريب في طريقه ، لضلال وفساد طرقهم . غريب في نسبته ، لمخالفة نسبهم . غريب في معاشرته لهم ، لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم . وبالجملة : فهو غريب في أمور دنياه وآخرته ، لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا . فهو عالم بين جهال . صاحب سنة بين أهل بدع . داع إلى اللّه ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع . آمر بالمعروف ، ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف .

النوع الثاني من الغربة

غربة مذمومة . وهي غربة أهل الباطل ، وأهل الفجور بين أهل الحق . فهي غربة بين حزب اللّه المفلحين ، وإن كثر أهلها فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم . أهل وحشة على كثرة مؤنسهم . يعرفون في أهل الأرض ، ويخفون على أهل السماء .

النوع الثالث : غربة مشتركة ، لا تحمد ولا تذم

وهي الغربة عن الوطن . فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء . فإنها ليست لهم بدار مقام . ولا هي الدار التي خلقوا لها . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما : « كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل » وهكذا هو في نفس الأمر . لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ، ويعرفه حق المعرفة . ولي من أبيات في هذا المعنى :
وحيّ على جنات عدن فإنها * منازلك الأولى وفيها المخيّم