والنفس الثاني : للقاصد معراج . فإنه أعلى من الأول . لأنه من نور المعرفة الرافعة للحجاب .
والنفس الثالث : للمحقق تاج . لأنه نفس مطهر من أدناس الأكوان . ومتصل بالكائن قبل كل شيء . والمكون لكل شيء . والكائن بعد كل شيء . فهذا تاج لقلبه ، بمنزلة التاج على رأس الملك .
والنفس الأول : يؤمّن السالك من عثرته . والثاني : يوصله إلى طلبته . والثالث : يدله على علو مرتبته . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
باب الغربة
قال شيخ الإسلام : « ( باب الغربة ) قال اللّه تعالى :
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ
[ هود : 116 ] .
استشهاده بهذه الآية في هذا الباب : يدل على رسوخه في العلم والمعرفة ، وفهم القرآن ، فإن الغرباء في العالم : هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية . وهم الذين أشار إليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « بدأ الإسلام غريبا . وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء . قيل : ومن الغرباء يا رسول اللّه ؟ قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس » . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زهير عن عمرو بن أبي عمرو - مولى المطلب بن حنطب - عن المطلب بن حنطب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « طوبى للغرباء . قالوا : يا رسول اللّه ، ومن الغرباء ؟ قال : الذين يزيدون إذا نقص الناس » .
فإن كان هذا الحديث بهذا اللفظ محفوظا - لم ينقلب على الراوي لفظه وهو « الذين ينقصون إذا زاد الناس » - فمعناه : الذين يزيدون خيرا وإيمانا وتقى إذا نقص الناس من ذلك .
واللّه أعلم .
وفي حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول صلى اللّه عليه وسلم : « إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء . قيل : ومن الغرباء ، يا رسول اللّه ؟ قال : النّزّاع من القبائل » وفي حديث عبد اللّه بن عمرو قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم - ذات يوم ، ونحن عنده - « طوبى للغرباء . قيل : ومن الغرباء ، يا رسول اللّه ؟ قال : ناس صالحون قليل في ناس كثير ، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم » .
وقال أحمد : حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن عبد اللّه عن سليمان ابن هرمز عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أحب شيء إلى اللّه الغرباء . قيل :
ومن الغرباء ؟ قال : الفرارون بدينهم ، يجتمعون إلى عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة » .
وفي حديث آخر : « بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء . قيل : ومن الغرباء ، يا رسول اللّه ؟ قال : الذين يحيون سنتي . ويعلمونها الناس » .
وقال نافع عن مالك « دخل عمر بن الخطاب المسجد ، فوجد معاذ بن جبل جالسا إلى بيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يبكي . فقال له عمر : ما يبكيك ، يا أبا عبد الرحمن ؟ هلك أخوك ؟ قال : لا .
ولكن حديثا حدثنيه حبيبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنا في هذا المسجد ، فقال : ما هو ؟ قال : إن اللّه يحب