وأما الملاحدة ، أهل وحدة الوجود ، فعندهم : أنها لم تزل متلاشية في عين وجود الحق ، بل وجودها هو نفس وجوده . وإنما كان الحس يفرق بين الوجوديين . فلما غاب عن حسه بكشفه ، تبين أن وجودها هو عين وجود الحق .
ولكن الشيخ كأنه عبر بالكشف والوجود عن المقامين اللذين ذكرهما في كتابه . و « الكشف » هو دون « الوجود » عنده . فإن « الكشف » يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه . فليس معه استغراق في الفناء . و « الوجود » لا يكون معه رسم باق . ولذلك قال « لا وجودا محضا » فإن الوجود المحض عنده : يفني الرسوم . وبكل حال : فهو يفنيها من وجود الواجد ، لا يفنيها في الخارج .
وسر المسألة : أن الواصل إلى هذا المقام يصير له وجود آخر ، غير وجوده الطبيعي ، المشترك بين جميع الموجودات . ويصير له نشأة أخرى لقلبه وروحه ، نسبة النشأة الحيوانية إليها كنسبة النشأة في بطن الأم إلى هذه النشأة المشاهدة في العالم ، وكنسبة هذه النشأة إلى النشأة الأخرى .
فللعبد أربع نشآت : نشأة في الرحم ، حيث لا بصر يدركه . ولا يد تناله . ونشأة في الدنيا .
ونشأة في البرزخ . ونشأة في المعاد الثاني . وكل نشأة أعظم من التي قبلها . وهذه النشأة للروح والقلب أصلا ، وللبدن تبعا .
فللروح في هذا العالم نشأتان . إحداهما : النشأة الطبيعية المشتركة . والثانية : نشأة قلبية روحانية ، يولد بها قلبه ، وينفصل عن مشيمة طبعه ، كما ولد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن .
ومن لم يصدق بهذا فليضرب عن هذا صفحا وليشتغل بغيره .
وفي كتاب « الزهد » للإمام أحمد : أن المسيح عليه السلام قال للحواريين « إنكم لن تلجوا ملكوت السماوات حتى تولدوا مرتين » .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه للّه - يقول : هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان ، وخروجها من عالم الطبيعة ، كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه . والولادة الأخرى : هي الولادة المعروفة . واللّه أعلم .
قوله « وهو فوق البرق والوجد » .
يعني : أن هذا الكشف الذي تلاشت فيه الرسوم : فوق منزلتي البرق والوجد ، فإنه أثبت وأدوم ، و « الوجود » فوقه . لأنه يشعر بالدوام .
قوله « وهو يشارف مقام الجمع لو دام » .
أي لو دام هذا « الوقت » لشارف مقام « الجمع » وهو ذهاب شعور القلب بغير الحق سبحانه وتعالى ، شغلا به عن غيره . فهو جمع في الشهود .
وعند الملاحدة : هو جمع في الوجود .
ومقصوده : أنه لو دام الوقت بهذا المعنى الثالث : لشارف حضرة الجمع . لكنه لا يدوم .
قوله « ولا يبلغ وادي الوجود » يعني : أن الوقت المذكور لا يبلغ السالك فيه وادي الوجود حتى يقطعه . ووادي الوجود : هو حضرة الجمع .
قوله « لكنه يلقي مؤنة المعاملة » .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 736
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٧٣٦