تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
قال الجنيد : دخلت على السري يوما . فقلت له : كيف أصبحت ؟ فأنشأ يقول :
ما في النهار ، ولا في الليل لي فرج * فلا أبالي : أطال الليل أم قصرا ؟
ثم قال : ليس عند ربكم ليل ولا نهار . يشير إلى أنه غير متطلع إلى الأوقات . بل هو مع الذي يقدر الليل والنهار .

معنى الوقت

قال صاحب المنازل : « الوقت : اسم في هذا الباب لثلاث معان . المعنى الأول : حين وجد صادق » أي وقت وجد صادق ، أي زمن من وجد يقوم بقلبه ، وهو صادق فيه غير متكلف له ، ولا متعمل في تحصيله . « يكون متعلقه إيناس ضياء فضل » أي رؤية ذلك ، و « الإيناس » الرؤية قال اللّه تعالى :
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً
[ القصص : 29 ] وليس هو مجرد الرؤية . بل رؤية ما يأنس به القلب ، ويسكن إليه . ولا يقال لمن رأى عدوه أو مخوفا « آنسه » . ومقصوده : أن هذا الوقت وقت وجد ، صاحبه صادق فيه لرؤيته ضياء فضل اللّه ومنته عليه . و « الفضل » هو العطاء الذي لا يستحقه المعطى ، أو يعطى فوق استحقاقه . فإذا آنس هذا الفضل ، وطالعه بقلبه : أثار ذلك فيه وجدا آخر ، باعثا على محبة صاحب الفضل ، والشوق إلى لقائه ، فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها . ودخلت يوما على بعض أصحابنا ، وقد حصل له وجد أبكاه . فسألته عنه ؟ فقال : ذكرت ما منّ اللّه به عليّ من السّنة ومعرفتها ، والتخلص من شبه القوم ، وقواعدهم الباطلة وموافقة العقل الصريح ، والفطرة السليمة ، لما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فسرني ذلك حتى أبكاني . فهذا الوجد أثاره إيناس فضل اللّه ومنته . قوله « جذبه صفاء رجاء » أي جذب ذلك الوجد - أو الإيناس ، أو الفضل - رجاء صاف غير مكدر . و « الرجاء الصافي » هو الذي لا يشوبه كدر توهم معاوضة منك ؛ وأن عملك هو الذي بعثك على الرجاء . فصفاء الرجاء يخرجه عن ذلك . بل يكون رجاء محضا لمن هو مبتدئك بالنعم من غير استحقاقك . والفضل كله له ومنه ، وفي يده - أسبابه وغاياته ، ووسائله ، وشروطه ، وصرف موانعه - كلها بيد اللّه . لا يستطيع العبد أن ينال منه شيئا بدون توفيقه ، وإذنه ومشيئته . وملخص ذلك : أن الوقت في هذه الدرجة الأولى : عبارة عن وجد صادق ، سببه رؤية فضل اللّه على عبده . لأن رجاءه كان صافيا من الأكدار . قوله « أو لعصمة جذبها صدق خوف » اللام في قوله « أو لعصمة » معطوف على اللام في قوله « أو لإيناس ضياء فضل » أي وجد لعصمة جذبها صدق خوف . فاللام ليست للتعليل . بل هي على حدها في قولك : ذوق لكذا ، ورؤية لكذا . فمتعلق الوجد « عصمة » وهي منعة ، وحفظ ظاهر وباطن . جذبها صدق خوف من الرب سبحانه .