تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 729

مساهمون:

ص٧٢٩
يريد : أن الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله . وقد يريد : أن الوقت ما بين الزمانين الماضي والمستقبل . وهو اصطلاح أكثر الطائفة . ولهذا يقولون : الصوفي والفقير ابن وقته . يريدون : أن همته لا تتعدى وظيفة عمارته بما هو أولى الأشياء به ، وأنفعها له . فهو قائم بما هو مطالب به في الحين والساعة الراهنة . فهو لا يهتم بماضي وقته وآتيه ، بل يهتم بوقته الذي هو فيه . فإن الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الوقت الحاضر ، وكلما حضر وقت اشتغل عنه بالطرفين . فتصير أوقاته كلها فوات « 1 » . قال الشافعي رضي اللّه عنه : صحبت الصوفية . فما انتفعت منهم إلا بكلمتين ، سمعتهم يقولون : الوقت سيف . فإن قطعته وإلا قطعك . ونفسك إن لم تشغلها بالحق ، وإلا شغلتك بالباطل . قلت : يا لهما من كلمتين ، ما أنفعهما وأجمعهما ، وأدلهما على علو همة قائلهما ، ويقظته . ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم « 2 » . وقد يريدون بالوقت : ما هو أخص من هذا كله . وهو ما يصادفهم في تصريف الحق لهم . دون ما يختارونه لأنفسهم . ويقولون : فلان بحكم الوقت . أي مستسلم لما يأتي من عند اللّه من غير اختيار . وهذا يحسن في حال ، ويحرم في حال . وينقص صاحبه في حال . فيحسن في كل موضع ليس للّه على العبد فيه أمر ولا نهي . بل في موضع جريان الحكم الكوني الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي ، كالفقر والمرض ، والغربة والجوع ، والألم والحر والبرد ، ونحو ذلك . ويحرم في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنهي والقيام بحقوق الشرع . فإن التضييع لذلك والاستسلام ، والاسترسال مع القدر انسلاخ من الدين بالكلية . وينقص صاحبه في حال تقتضي قياما بالنوافل ، وأنواع البر والطاعة . وإذا أراد اللّه بالعبد خيرا : أعانه بالوقت . وجعل وقته مساعدا له . وإذا أراد به شرا : جعل وقته عليه ، وناكده وقته . فكلما أراد التأهب للمسير : لم يساعده الوقت . والأول : كلما همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده . وقد قسم بعضهم الصوفية أربعة أقسام : أصحاب السوابق ، وأصحاب العواقب ، وأصحاب الوقت ، وأصحاب الحق . قال :
هامش
( 1 ) لا بد للمؤمن العاقل ، المتأمل في سنن اللّه في نفسه وفي الآفاق : أن لا ينسى ماضيه بكل ما فيه . لأن له أكبر الأثر في حاضره من سيئات وحسنات . فإن الحسنات تولد حسنات ، والسيئات تولد سيئات . ولا بد أن يضع المؤمن اليقظ نصب عينيه دائما الوقت الآخر ، ليستعد له ويتهيأ بكل قواه : أن يكون صالحا مرضيا . وهكذا من تفقه في سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم عرف ذلك جيدا . ولا يقصر همه على وقته الحاضر إلا اللاهون المسرفون على أنفسهم الذين يظنون باللّه الظنون السيئة . فلا يدينون بسؤال ولا حساب ولا جزاء بالعدل المطلق . ( 2 ) ليس في قول الشافعي ما يدل على ثناء مطلقا عليهم ، وإنما يريد : أن ليس عندهم ما ينفع إلا كلمتان اثنتان . وكفى بهذا وصفا لهم . وأين رأس أكبر معظم فيهم من كعب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه ، علما وتقوى وإيمانا ونصحا للأمة ؟ ! .