تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 732

مساهمون:

ص٧٣٢
والفرق بين الوجد في هذه الدرجة والتي قبلها : أن الوجد في الأولى : جذبه صدق الرجاء . وفي الثانية : جذبه صدق الخوف . وفي الثالثة - التي ستذكر - جذبه صدق الحب . فهو معنى قوله « أو لتلهب شوق جذبه اشتعال محبة » . وخدمته التورية في « اللهيب » و « الاشتعال » والمحبة متى قويت اشتعلت نارها في القلب . فحدث عنها لهيب الاشتياق إلى لقاء الحبيب . وهذه الثلاثة ، التي تضمنتها هذه الدرجة - وهي : الحب ، والخوف والرجاء - هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى لصاحبه والأنفع له ، وهي أساس السلوك ، والسير إلى اللّه . وقد جمع اللّه سبحانه الثلاثة في قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً
( 57 ) [ الإسراء : 57 ] وهذه الثلاثة هي قطب رحى العبودية . وعليها دارت رحى الأعمال . واللّه أعلم .

معنى آخر للوقت

قال « والمعنى الثاني : اسم لطريق سالك . يسير بين تمكن وتلون ، لكنه إلى التمكن ما هو . يسلك الحال ، ويلتفت إلى العلم . فالعلم يشغله في حين ؛ والحال يحمله في حين . فبلاؤه بينهما : يذيقه شهودا طورا . ويكسوه عبرة طورا ، ويريه غيرة تفرق طورا » . هذا المعنى : هو المعنى الثاني من المعاني الثلاثة من معاني « الوقت » عنده . قوله « اسم لطريق سالك » هو على الإضافة . أي لطريق عبد سالك . قوله « يسير بين تمكن وتلون » أي ذلك العبد يسير بين تمكن وتلون . و « التمكن » هو الانقياد إلى أحكام العبودية بالشهود والحال ، و « التلون » في هذا الموضع خاصة : هو الانقياد إلى أحكام العبودية بالعلم . فالحال يجمعه بقوته وسلطانه . فيعطيه تمكينا . والعلم بلونه بحسب متعلقاته وأحكامه . قوله « لكنه إلى التمكن ما هو ؟ يسلك الحال . ويلتفت إلى العلم » . يعني : أن هذا العبد هو سالك إلى التمكن ما دام يسلك الحال . ويلتفت إلى العلم . فأما إن سلك العلم ، والتفت إلى الحال : لم يكن سالكا إلى التمكن . فالسالكون ضربان : سالكون على الحال ، ملتفتون إلى العلم . وهم إلى التمكن أقرب . وسالكون على العلم . ملتفتون إلى الحال . وهم إلى التلون أقرب هذا حاصل كلامه . وهذه الثلاثة : هي المفرقة بين أهل العلم وأهل الحال ، حتى كأنهما غيران وحزبان ، وكل فرقة منهما لا تأنس بالأخرى ، ولا تعاشرها إلا على إغماض ونوع استكراه . وهذا من تقصير الفريقين ، حيث ضعف أحدهما عن السير في العلم . وضعف الآخر عن الحال في العلم . فلم يتمكن كل منهما من الجمع بين الحال والعلم . فأخذ هؤلاء العلم ، وسعته ونوره ورجحوه . وأخذ هؤلاء الحال وسلطانه وتمكينه ورجحوه ، وصار الصادق الضعيف من الفريقين : يسير بأحدهما ملتفتا إلى الآخر . فهذا مطيع للحال . وهذا مطيع للعلم . لكن المطيع للحال متى عصى به العلم : كان منقطعا