تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
واستدلالا عليه بها . فإنه سبحانه دل على نفسه بأفعاله . فالعلم يكسو صاحبه اعتبارا واستدلالا على الرب بأفعاله . ويصح أن يكون « غيرة » بالغين المعجمة والياء المثناة من تحت . ومعناه : أن العلم يكسوه غيرة من حجابه عن مقام صاحب الحال . فيغار من احتجابه عن الحال بالعلم ، وعن العيان بالاستدلال ، وعن الشهود - الذي هو مقام الإحسان - بالإيمان ، الذي هو إيمان بالغيب . قوله « ويريه غيرة تفرق طورا » هذا بالغين المعجمة ليس إلا ، أي ويريه العلم غيرة تفرقه في أوديته . فيفرق بين أحكام الحال وأحكام العلم . وهو حال صحو وتمييز . وكأن الشيخ يشير إلى أن صاحب هذا المقام تغار تفرقته من جمعيته على اللّه . فنفسه تفر من الجمعية على اللّه إلى تفرق العلم . فإنه لا أشق على النفوس من جمعيتهما على اللّه . فهي تهرب من اللّه إلى الحال تارة ، وإلى العمل تارة ، وإلى العلم تارة ، هذه نفوس السالكين الصادقين « 1 » . وأما من ليس من أهل هذا الشأن : فنفوسهم تفر من اللّه إلى الشهوات والراحات . فأشق ما على النفوس : جمعيتها على اللّه . وهي تناشد صاحبها : أن لا يوصلها إليه ، وأن يشغلها بما دونه . فإن حبس النفس على اللّه شديد . وأشد منه : حبسها على أوامره . وحبسها عن نواهيه . فهي دائما ترضيك بالعلم عن العمل ، وبالعمل عن الحال ، وبالحال عن اللّه سبحانه وتعالى ، وهذا أمر لا يعرفه إلا من شد مئزر سيره إلى اللّه . وعلم أن كل ما سواه فهو قاطع عنه . وقد تضمن كلامه في هذه الدرجة ثلاث درجات - كما أشار إليه - : درجة الحال . ودرجة العلم ، ودرجة التفرقة بين الحال والعلم . وهذه الثلاث الدرجات : هي المختصة بالمعنى الثاني من معاني الوقت . واللّه أعلم .

معنى ثالث للوقت

قال : « والمعنى الثالث ، قالوا : الوقت الحق . أرادوا به : استغراق رسم الوقت في وجود الحق . وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي . لكنه هو اسم في هذا المعنى الثالث ، لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا . لا وجودا محضا . وهو فوق البرق والوجد . وهو يشارف مقام الجمع ، لو دام وبقي . ولا يبلغ وادي الوجود ، لكنه يكفي مؤنة المعاملة ، ويصفي عين المسامرة . ويشم روائح الوجود » . هذا المعنى الثالث من معاني « الوقت » أخص مما قبله . وأصعب تصورا وحصولا . فإن الأول : وقت سلوك يتلون . وهذا وقت كشف يتمكن . ولذلك أطلقوا عليه اسم « الحق » لغلبة حكمه على قلب صاحبه . فلا يحسّ برسم الوقت ، بل يتلاشى ذكر وقته من قلبه ، لما قهره من نور الكشف . فقوله « قالوا : الوقت هو الحق » .
هامش
( 1 ) كيف يكون العلم نافعا ، والعمل صالحا ، والعامل صادقا ، ويفرقه علمه وعمله عن اللّه ؟ ! هذا أمر عجيب جد العجب .