تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 733

مساهمون:

ص٧٣٣
محجوبا ، وإن كان له من الحال ما عساه أن يكون . والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيعا منقوصا ، مشتغلا بالوسيلة عن الغاية . وصاحب التمكين : يتصرف علمه في حاله . ويحكم عليه فينقاد لحكمه ، ويتصرف حاله في علمه . فلا يدعه أن يقف معه . بل يدعوه إلى غاية العلم . فيجيبه ويلبي دعوته . فهذه حال الكمل من هذه الأمة . ومن استقرأ أحوال الصحابة رضي اللّه عنهم وجدها كذلك . فلما فرق المتأخرون بين الحال والعلم : دخل عليهم النقص والخلل . واللّه المستعان :
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
( 50 ) [ الشّورى : 49 ، 50 ] فكذلك يهب لمن يشاء علما . ولمن يشاء حالا . ويجمع بينهما لمن يشاء . ويخلي منهما من يشاء . قوله « فالعلم يشغله في حين » أي يشغله عن السلوك إلى تمكن الحال . لأن العلم متنوع التعلقات فهو يفرق . والحال يجمع . لأنه يدعوه إلى الفناء . وهناك سلطان الحال . قوله « والحال يحمله في حين » أي يغلب عليه الحال تارة . فيصير محمولا بقوة الحال وسلطانه على السلوك . فيشتد سيره بحكم الحال ، يعني : وإذا غلبه العلم شغله عن السلوك . وهذا هو المعهود من طريقة المتأخرين : أن العلم عندهم يشغل عن السلوك . ولهذا يعدون السالك من سلك على الحال ملتفتا عن العلم . وأما على ما قررناه - من أن العلم يعين على السلوك ، ويحمل عليه ، ويكون صاحبه سالكا به وفيه - فلا يشغله العلم عن سلوكه . وإن أضعف سيره على درب الفناء . فلا ريب أن العلم لا يجامع الفناء . فالفناء ليس هو غاية السالكين إلى اللّه . بل ولا هو لازم من لوازم الطريق ، وإن كان عارضا من عوارضها . يعرض لغير الكمل ، كما تقدم تقرير ذلك . فبينا أن الفناء الكامل ، الذي هو الغاية المطلوبة : هو الفناء عن محبة ما سوى اللّه وإرادته . فيفنى بمحبة اللّه عن محبة ما سواه . وبإرادته ورجائه ، والخوف منه ، والتوكل عليه ، والإنابة إليه : عن إرادة ما سواه ، وخوفه ورجائه والتوكل عليه . وهذا الفناء لا ينافي العلم بحال . ولا يحول بين العبد وبينه . بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه . وهذا أمر غفل عنه أكثر المتأخرين ، بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه . ولكن لم يخل اللّه الأرض من قائم به ، داع إليه . قوله « فبلاؤه بينهما » أي عذابه وألمه : بين داعي الحال وداعي العلم . فإيمانه يحمله على إجابة داعي العلم ، ووارده يحمله على إجابة داعي الحال . فيصير كالغريم بين مطالبين كل منهما يطالبه بحقه . وليس بيده إلا ما يقضي أحدهما . وقد عرفت أن هذا من الضيق . وإلا فمع السعة : يوفي كلا منهما حقه . قوله « يذيقه شهودا طورا » أي ذلك البلاء الحاصل بين الداعيين يذيقه شهودا طورا ، وهو الطور الذي يكون الحاكم عليه فيه : هو العلم . قوله « ويكسوه عبرة طورا » الظاهر : أنه عبرة بالباء الموحدة والعين ، أي اعتبارا بأفعاله ،