تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 728

مساهمون:

ص٧٢٨
القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مضيع . فسل ربه ومن هو بين أصابعه : أن يرده عليك . ويجمع شملك به . ولقد أحسن القائل :
إذا ما وضعت القلب في غير موضع * بغير إناء فهو قلب مضيع

ومنها الوقت

قال صاحب المنازل : « باب الوقت . قال اللّه تعالى :
ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى
[ طه : 40 ] « الوقت » اسم لظرف الكون . وهو اسم في هذا الباب لثلاثة معان ، على ثلاث درجات . المعنى الأول : حين وجد صادق ، لإيناس ضياء فضل جذبه صفاء رجاء ، أو لعصمة جذبها صدق خوف . أو لتلهّب شوق جذبه اشتعال محبة » . وجه استشهاده بالآية : أن اللّه سبحانه قدّر مجيء موسى أحوج ما كان الوقت إليه . فإن العرب تقول : جاء فلان على قدر . إذا جاء وقت الحاجة إليه . قال جرير :
نال الخلافة إذ كانت على قدر * كما أتى ربه موسى على قدر
وقال مجاهد : على موعد . وهذا فيه نظر . لأنه لم يسبق بين اللّه سبحانه وبين موسى موعد للمجيء ، حتى يقال : إنه أتى على ذلك الموعد . ولكن وجه هذا : أن المعنى « جئت على الموعد الذي وعدنا : أن ننجزه ، والقدر الذي قدرنا : أن يكون في وقته » وهذا كقوله تعالى :
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
( 108 ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] لأن اللّه سبحانه وتعالى وعد بإرسال نبي في آخر الزمان يملأ الأرض نورا وهدى . فلما سمعوا القرآن : علموا أن اللّه أنجز ذلك الوعد الذي وعد به . واستشهاده بهذه الآية يدل على محله من العلم . لأن الشيء إذا وقع في وقته الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه : كان أحسن وأنفع وأجدى . كما إذا وقع الغيث في أحوج الأوقات إليه . وكما إذا وقع الفرج في وقته الذي يليق به . ومن تأمل أقدار الرب تعالى ، وجريانها في الخلق : علم أنها واقعة في أليق الأوقات بها . فبعث اللّه سبحانه موسى : أحوج ما كان الناس إلى بعثته . وبعث عيسى كذلك . وبعث محمد صلى اللّه عليه وعليهم أجمعين : أحوج ما كان أهل الأرض إلى إرساله . فهكذا وقت العبد مع اللّه يعمره بأنفع الأشياء له : أحوج ما كان إلى عمارته . قوله « الوقت : ظرف الكون » الوقت : عبارة عن مقاربة حادث لحادث عند المتكلمين ، فهو نسبة بين حادثين . فقوله « ظرف الكون » أي وعاء التكوين . فهو الوعاء الزماني الذي يقع فيه التكوين . كما أن ظرف المكان : هو الوعاء المكاني ، الذي يحصل فيه الجسم . ولكن « الوقت » في اصطلاح القوم أخص من ذلك . قال أبو علي الدقاق : الوقت ما أنت فيه . فإن كنت في الدنيا فوقتك الدنيا وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى . وإن كنت بالسرور فوقتك السرور . وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن .