عليه ، حتى يزعق ويشق ثيابه ، أو يلقي نفسه لورود ما يدهشه من معاني المسموع على قلبه .
فيصول حاله على عمله ، حتى لو كان في صلاة فرض ، لأبطلها وقطعها .
ومثال الثاني : اقتضاء العلم حركة مفرقة في رضى المحبوب . فيصول الحال عليها بسكونه وجمعيته ، حتى يقهرها . وهذه من مقاطع القوم وآفاتهم . وما نجا منها إلا أهل البصائر منهم ، العاملون على تجريد العبودية . وكثرة صور هذا مغنية عن كثرة الأمثلة . فإن أكثرهم يقدم حال الجمعية على ملابسة الأغيار والأعداء في الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ويصول حال الجمعية عنده على الحركة التي يأمر بها العلم . كما صالت حركة الأول على السكون الذي يأمر به العلم .
قوله « والوجد على الطاقة » يعني : أن وجد المحب ربما غلب صبره . وصال على طاقته .
فصرخ إلى محبوبه ، واستغاث به ، حتى يأتي النصر من عنده . بل صراخه به واستغاثته به عين نصره إياه ، حيث حفظ عليه وجده . ولم يرده فيه إلى صبر يسلو به ويجفو . فيكون ذلك نوع طرد .
قوله « والكشف على همته » يعني أن الهمة تستدعي صدق الطلب ودوامه ، والكشف : هو الشهود . وهو في مظنة فسخ الهمة ، وإبطال حكمها . لأنها تقتضي الطلب . وهو يقتضي الفتور .
لأن الطلب للغائب عن المطلوب ، فهمته متعلقة بتحصيله . وصاحب الكشف : في حضور مع مطلوبه . فكشفه صائل على همته ، كما قال بعضهم : إذا برقت بارقة من بوارق الحقيقة لم يبق معها حال ولا همة .
وهذا أيضا عارض مطلوب الزوال . والبقاء معه انقطاع كلي . فإن السالك في همة ما دامت روحه في جسده . فإذا فارقته الهمة انقطع واستحسر .
قال « الدرجة الثانية : دهشة السالك عند صولة الجمع على رسمه ، والسبق على وقته ، والمشاهدة على روحه » .
« الجمع » عند القوم : ما أسقط التفرقة . وقطع الإشارة . وباين الكائنات و « رسم العبد » عندهم : هو صورته الظاهرة والباطنة . فشهود الجمع : يقتضي أن يستولي على فناء تلك الرسوم فيه . فللجمع صولة على رسم السالك ، يغشاه عندهم بهتة ، هي « الدهشة » المشار إليها .
وأما « صولة السبق على وقته » فالسبق : هو الأزل . وهو سابق على وقت السالك . وإنما صال الأزل على وقته : لأن وقته حادث فان . فهو يرى فناءه في بقاء الأزل وسبقه ، فيغلبه شهود السبق ، ويقهره على شهود وقته ، فلا يتسع له .
وأما « صولة المشاهدة على روحه » فلما كانت المشاهدة تعلق إدراك الروح بشهود الحق تعالى ، فهي شهود الحق بالحق - كما قال تعالى في الحديث القدسي « فبي يسمع ، وبي يبصر » - اقتضى هذا الشهود صولة على الروح . فحيث صار الحكم له دونها : انطوى حكم الشاهد في شهوده . وقد عرفت ما في ذلك فيما تقدم .
قال « الدرجة الثالثة : دهشة المحب عند صولة الاتصال على لطف العطية . وصولة نور القرب على نور العطف . وصولة شوق العيان على شوق الخبر » .
الاتصال عنده على ثلاثة مراتب : اتصال الاعتصام ، واتصال الشهود ، واتصال الوجود ،
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 697
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٩٧