وأما اغتراب الكمل فلمصلحة ، ومقصد ، وتدبير ، كشف عليهم أنه مطلوب الوجود بهم ، وأنه لا يحصل إلا في وقت معين ومحل مخصوص ، فيغتربون إليه وهم في ذلك على بصيرة من ربهم .
قال الكليم صلى اللّه عليه وسلم حيث طلب حكما به يظهر على فرعون وملأه مستشعرا بإشراقة النفس بأنه لا يحصل له بعد اغترابه .
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
[ الشعراء : 21 ] .
ولما كان سفره بعدا لكماله ظهرت آية الشجرة فيه بصورة مطلوب ، حيث طلب أن يأتي لأهله بجذوة من النار ، وحيث اختص الإتيان بالبدء ظهرت بكيفيته ما برق له من الشجرة مبيضا للناظرين .
وهاجر صلى اللّه عليه وسلم إذ علم أن الفتح المطلق الذي ظاهره فتح مكة ، لا يتم له إلا بعد هجرته واغترابه ، ولا تتم سيادته على العالمين إلا بذلك ، ولذلك قال بعد الفتح :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[ المائدة : 3 ] .
وهو الدين القيم الذي يعلو الأديان كلها بالحكم السابق الوسطي الكمالي الجمعي ، وقيوميته من سوائية أحدية الجمع التي فيها وبها يجد الكافة كل شيء في كل شيء .
ولذلك تمت سيادة صاحب الدين القيم في الفتح المطلق ، وإن طبقت فيه الخاتمة على الفاتحة ، ودامت حكمته إلى الساعة على وجه لا يزاد عليه ، ولا ينقص منه ؛ إذ لكل معنى في الفاتحة ، ظهرت في الخاتم .
والخاتم صورة منتهية في الكمال ، كما ينبغي ، ولم أجد أحدا من مبتدأ ينزل الوجود إلى منتهاه بأدنى وجوه العود إلى فاتحته غيره .
« ويقال : غربة عن الحال من حقيقة النفوذ فيه » ، أي بما فيه من النفوذ والتحكم ، إذ بالأحوال ، وغيبتها يظهر خرق العادة ، فإذا اطلع صاحب الحال على أن نتائج أحوال مقتضية إلى المكر والاستدراج ، والمحق ، والفتن ، يغرب عنها إلى حال يأمن فيها عن ذلك .
« وغربة عن الحق من الدهش عن المعرفة » :