وأمّا تقيّدها بقيد « التجريد والفردانيّة » فمعناه أن لا يكون معه شيء .
قال : « وهذا فقر الصوفيّة » ولم يقل : « فقر المتصوّفة » لأنّ « التصوّف » هو التخلّق « أ » ، ونهايته مقام الفتوّة ، الذي هو مبدء السير إلى مقام الولاية ، الذي هو مقام الصوفي ؛ وهو المتحقّق بحقيقة الحقّ ، ففقرهم « 1 » هو الفناء في أحديّة جمع الذات ، وهو الذي قال فيه - عليه الصلاة والسلام « 2 » « ب » : « الفقر سواد الوجه في الدارين » أي الفناء الصرف والعدم المحض في الدنيا والآخرة .
وهو الاستهلاك في عين الذات ، لأنّ العدم هو السواد والظلمة ، والوجود هو البياض والنور ولا مقام أعلى منه « 3 » « ج » وقيل : « إذا تمّ الفقر فهو اللّه » .
هامش
( 1 ) ع : فقرهم .
( 2 ) ب ، ج : صلى اللّه عليه وسلّم . م ، ه : عليه السلام .
( 3 ) ج ، ب : واللّه اعلم .
( أ ) نسب الهجويري في كشف المحجوب ( 44 ) إلى الإمام الباقر عليه السّلام : « التصوف خلق من زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف » . ولا يخفى ما في صحة النسبة من البعد .
وفي أسرار التوحيد ( 1 / 257 ، الباب الثاني ) إنّ أبا عبد الرحمان السلمي كتب بخطه : « سمعت جدّي أبا عمرو بن نجيد السلمي يقول : سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمّد البغدادي يقول :
التصوّف هو الخلق ، من زاد عليك بالخلق زاد عليك بالتصوّف » .
( ب ) ورد مرسلا في عوالي اللئالي : 10 / 40 ، ح 41 . بحار الأنوار : 72 / 30 .
( ج ) قال في الاصطلاحات :
الفقر أصله الرجوع إلى عدمه الأصلي بحكم السبق الأزليّ ، حتّى يرى وجوده وعمله وحاله ومقامه كلّها فضلا من اللّه وامتنانا محضا .
وصورته في البدايات ترك الدنيا ضبطا وطلبا .
وفي الأبواب تجريد النفس من التعلّق بها والميل إليها .
وفي المعاملات الذهول عن تركها ذكرا وتصورا ووجودا وعدما وحسنا وقبحا .
وفي الأخلاق الشكر عند وجودها وعدمها والمواساة بما رزق منها .