التصرّف والاختيار ، ويرى أنّ المتصرّف فيه - وفي الكلّ - والمصرّف للأمور « 1 » هو الحقّ تعالى ، فيصبر على أحكامه وتصرّفاته تعالى مع مكابدة الألم .
وإنّما اقتصر على هذه الدرجات الثلاث لأنّه ذكر أنّ الصبر من مقامات العوام والمتوسّطين ، ورفّع رتبة المحبّين والموحّدين عن مقام الصبر ؛ وبعضهم أثبت الصبر مع اللّه لأهل الحضور والمشاهدة ، والصبر عن اللّه لأهل المحبّة إذا أراد المحبوب فراق المحبّ - كما ذكر في البيت « أ » .
وروي « ب » أنّ شابّا من المحبّين سأل الشبلي عن الصبر ، فقال : « أيّ الصبر أشدّ » ؟ فقال : « الصبر للّه » . فقال : « لا » . فقال : « الصبر باللّه » . فقال :
« لا » « 2 » . فقال : « الصبر على اللّه » . فقال : « لا » . فقال : « الصبر في اللّه » .
فقال : « لا » . فقال : « الصبر مع اللّه » . فقال : لا . فقال : « ويحك فأيّ « 3 » » فقال : « الصبر عن اللّه » . فشهق الشبليّ وخرّ مغشيّا عليه .
هامش
( 1 ) ه : للامر .
( 2 ) ج ، د : - فقال : الصبر باللّه . فقال : لا .
( 3 ) ع : ويحك فأي الصبر .
( أ ) مضى البيت آنفا : أريد وصاله . . .
( ب ) جاء ما يقرب من ذلك في اللمع للسرّاج : 50 ، باب مقام الصبر . والرسالة القشيريّة : 288 ، باب الصبر . وعوارف المعارف للسهروردي : 372 ، قولهم في الصبر .
وقال صاحب العوارف ( نفس المصدر ) : « وعندي في معنى الصبر عن اللّه وجه ، ولكونه من أشدّ الصبر على الصابرين وجه : وذلك أنّ الصبر عن اللّه يكون في أخصّ مقامات المشاهدة ، يرجع العبد عن اللّه استحياء وإجلالا ، وتنطبق بصيرته خجلا وذوبانا ، ويتغيّب في مفاوز استكانته وتخفّيه لإحساسه بعظيم أمر التجلّي .
وهذا من أشدّ الصبر ، لأنه يودّ استدامة هذا الحال تأدية لحقّ الجلال ، والروح تودّ أن تكتحل بصيرتها باستلماع نور الجمال ؛ وكما أنّ النفس منازعة لعموم حال الصبر ، فالروح في هذا الصبر منازعة ؛ فاشتدّ الصبر عن اللّه تعالى لذلك .