بينهما ، هذا عهد نبينا إلينا ، وعهدنا إليكم » « 1 » ، أي : إعلامه لنا وإعلامنا لكم بما يلتزم .
( والمسؤول ) من : سأل ، وسأل بمعنى طلب : إما طلب علما ، وإما طلب شيئا ، فإن كانت الأولى تعدى الفعل إلى المفعول الثاني ب ( عن ) ، تقول : سألته عن كذا فأجابني ، وإن كانت الثانية تعدى الفعل إليه بنفسه ، تقول : سألته ثوبا فأعطانيه .
فقوله تعالى :
إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
( 34 ) :
إذا كان من الأولى فالأصل ( مسؤولا عنه ) فحذف إيجازا لظهور المراد ، وإذا كان من الثانية فلا حذف ، والمعنى حينئذ : ( مطلوب ) أي : مطلوب الوفاء به .
ضرورة الوفاء بالعهد :
الوفاء بالعهد شرط ضروري لحصول السعادتين :
عهد اللّه تعالى لعباده هو ما شرعه لهم من دينه ، فوفاؤهم بعهده قيام بأعباء ذلك الدين الكريم ، وانتظام شؤونهم في هذه الحياة - أفرادا وجماعات وأمما - متوقف على الوفاء من بعضهم لبعض بما بينهم من عهود ؛ فالوفاء ضروري لنجاة العباد مع خالقهم ؛ ولسلامتهم من الشرور والفوضى والفتن ، وضروري - إذن - لتحصيل سعادة الدنيا وسعادة الآخرة .
ولمكانة هذا الأصل وضرورته تكرر في الكتاب والسنة الأمر به على وجه عام بين الأفراد والأمم ، بلا فرق بين الأجناس والملل ، وجاء هنا في آية الوصاية باليتيم - وهي آية حفظ الأموال باحترام الملكية - لوجهين : الأول : أن الكافل لليتيم قد أعلن بكفالته - بلسان حاله - أنه ملتزم لحفظه في بدنه وماله ، فهذا عهد منه يطالب بالوفاء به ، ويسأل عن ذلك الوفاء .
الثاني : أن الآية في حفظ الأموال وعدم التعدي على ملك أحد .
والناس يتعاملون بحكم الضرورة ، ويبنون تعاملهم على تبادل الثقة والعهود المبذولة من بعضهم لبعض بلسان المقال أو بلسان الحال ، فأمروا بالوفاء بالعهد الذي هو أساس للتعامل ، وفي ذلك سلامة مال كل أحد من التعدي عليه .
ولا ينافي هذا عموم اللفظ الذي يقتضى الأمر بالوفاء عاما ، لأنه باق على عمومه ، وإنما يدخل فيه هذان الوجهان المذكوران في ارتباط النظم دخولا أوليا .
ومن بديع إيجاز القرآن في نظم الآيات أن يؤتى باللفظ مفيدا للعام ، ومقويا للخاص .
هامش
( 1 ) رواه مالك في الموطأ ( 2 / 633 ) .