وترك أهله يتضورون بالجوع ، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله : ( وابدأ بمن تعول ) « 1 » .
والإنفاق في المباحات إذا لم يضيع مطلوبا ، ولم يؤد إلى ضياع رأس المال ، بحيث كان ينفق في المباح من فائدته ليس بتبذير ، فإذا توسع في المباحات وقعد عن المطلوبات ، أو أداه إلى إفناء ماله فهو تبذير مذموم .
وأفادت النكرة - وهي قوله : تبذيرا بوقوعه بعد العموم .
فهو نهى عن كل نوع من أنواع التبذير : القليل منه والكثير ، حتى لا يستخف بالقليل ؛ لأن من تساهل في القليل وصلت به العادة إلى الكثير .
إخوان الشياطين :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
( 27 ) [ الإسراء : 27 ] .
إن الشيطان يعمل ، وأعماله كلها في الضلال والإضلال ، فقد ضيع أعماله في الباطل ، وقد كان يمكنه أن يجعلها في الخير ، وهو جاد في ذلك ضار عليه لرسوخه في نفسه ، والمبذر يضيع أمواله في الباطل ، وقد كان يمكنه أن يجعلها في الخير ، وقد أخذت عادة التبذير بخناقه واستولت عليه ؛ فهو أخو الشيطان لمشاركته له في وصفه ، كمشاركة الأخ لأخيه ، وهو أخوه بامتثاله لأمره ، وصحبته له في الحال وفي المآل ، وفي سوء العاقبة في العاجل والآجل .
سلاح ذو حدين :
المال ، كما هو أداة لكل خير ، كذلك هو أداة لكل شر : فالمبذر المفرق لماله في وجوه الباطل ؛ بالغ - لا محالة - بماله إلى شر كثير وفساد كبير ؛ ولذلك وصف بأنه أخ الشيطان الذي هو أصل الشر والفساد .
ووصف اللّه تعالى الشيطان بقوله :
وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
( 27 ) ، لأنه أنعم عليه بنعمة ، فبدلا من أن يستعملها في طاعته في الخير قصرها على المعصية والشر .
وذكر هذا في وصف الشيطان بعد ما تقدم يفيد أنه من وصف المبذر أيضا : فالمبذر أخو الشيطان ، والشيطان كان لربه كفورا .
فالمبذر كان لربه كفورا ، ذلك لأن اللّه تعالى أنعم عليه بالمال الذي هو أداة لكل خير ، وعون عظيم على الطاعة ، فجعله أداة في الشر ، واستعان به على المعصية .
هامش
( 1 ) رواه النسائي في سننه ( 5 / 61 ) ، والدارقطني ( 3 / 44 ) ، والطبراني في الكبير ( 8175 ) ، وابن حبان ( 3341 ) .