وقيام كل واحد من أفراد المجتمع بما عليه من حقوق نحو غيره هو الذي يسد تلك الحاجة المشتركة بين الناس ، وعندما يؤدى كل واحد حق غيره فليست خدمته له وحده ، بل هي خدمة للمجتمع كله ، وبالأحرى ، هي خدمة له هو في نفسه ، لأنه جزء من المجتمع ، وما يصيب الكل يعود على جزئه .
المجتمع السعيد :
فإذا تواردت أفراد المجتمع على هذه التأدية سعدت وسعد مجتمعها بنيله حاجيات الحياة ، ولوازم البقاء ، والتقدم في العمران .
أما إذا توانى الأفراد في القيام بالحقوق ، وقصروا في تأديتها إلى بعضهم ، فإن الحاجة المشتركة من العلم ، والثقافة ، وحفظ الصحة ، والأخلاق ، وأنواع الصناعة ، تتعطل ؛ وبتعطلها يختل نظام الاجتماع ، ويعود إلى الانحلال والتقهقر ، وينحط بأفراده إلى أسفل الدركات .
وجه الارتباط :
فلهذا بعدما أمر اللّه تعالى بإيتاء حقه - وهو توحيده في عبادته - أمر بإيتاء حقوق العباد ؛ القريب منهم والبعيد :
1 - حق القريب :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
[ الإسراء : 26 ] .
ابتدأ بحق القرب لوجوه :
الأول : أنه هو مقتضى طبيعة الترتيب .
الثاني : تأكيد حق القريب .
الثالث : إن من حكمه التربية أن يبدأ من الأوامر بما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله ببداهة الفكرة ، أو بشعور العاطفة ، وكلتا هاتين يحبب للنفس إيتاء حق القريب بابتدائه في الأمر ، ليكون تقبلها له أسهل ، ومبادرتها للامتثال أسرع .
فإذا سخت النفوس بإيتاء حق القريب ، ومرنت عليه ، اعتادت الإيتاء وصار من ملكاتها ، فسهل عليها إيتاء كل حق ، ولو كان لأبعد الناس .
وشيء آخر ؛ وهو أن الأقارب قد تكون بينهم المنافسات والمنازعات لقرب المنازل ، أو تصادم المنافع ، أو التشاح على المواريث ما لا يكون بين الأباعد ، فيقطعوا حق القرابة ويهدموا بناء الأسرة ، ويعود ذلك عليهم أولا بالوبال ، ويرجع ثانيا على مجتمعهم - والمجتمع مؤلف من الأسر - بالتضعضع ، فكان هذا من جملة ما يقتضى الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة الأخرى .