والأوبة في كلام العرب هي الرجوع ، قال عبيد « 1 » :
وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب « 2 »
التوبة وشروطها :
والتوبة ، هي الرجوع عن الذنب ولا يكون إلا بالإقلاع عنه .
واعتبر فيها الشرع الندم على ما فات ؛ والعزم على عدم العود ، وتدارك ما يمكن تداركه ، فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة ، فتشمل ممن رجع إلى ربه تائبا من ذنبه ، ومن رجع إليه يسأله ويتضرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب .
فائدة :
فتستفيد من الآية الكريمة : سعة باب الرجوع إلى اللّه تعالى ، فإن تاب العبد ، فذاك هو الواجب عليه ، والمخلص له - بفضل اللّه - من ذنبه ، وإن لم يتب فليدم الرجوع إلى اللّه تعالى بالسؤال والتضرع ، والتعرض لمظان الإجابة ، وخصوصا في سجود الصلاة ، فقمين - إن شاء اللّه تعالى - أن يستجاب له .
شر العصاة :
وشر العصاة هو الذي ينهمك في المعصية ، مصيرا عليها ، غير مشمئز منها ، ولا سائل من ربه - بصدق وعزم - التوبة منها ، ويبقى معرضا عنه ربه كما أعرض هو عنه ، ويصر على الذنب حتى يموت قلبه ، ونعوذ باللّه من موت القلب فهو الداء العضال الذي لا دواء له .
دواء النفوس في التوبة :
وجاء لفظ ( الأوابين ) جمعا لأواب ، وهو فعال من أمثلة المبالغة ، فدل على كثرة رجوعهم إلى اللّه : وأفاد هذا طريقة إصلاح النفوس بدوام علاجها بالرجوع إلى اللّه : ذلك أن النفوس - بما ركب فيها من شهوة ، وبما فطرت عليه من غفلة ، وبما عرضت له من شؤون الحياة ، وبما سلط عليها من قرناء السوء من شياطين الإنس والجن - لا تزال - إلا من عصم اللّه - في مقارفة الذنب ، ومواقعة معصية ، صغيرة أو كبيرة ، من حيث تدرى ومن حيث لا تدرى ، وكل ذلك فساد يطرأ عليها ، فيجب إصلاحها بإزالة نقصه ، وإبعاد ضرره عنها ، وهذا الإصلاح لا يكون إلا بالتوبة والرجوع إلى اللّه تعالى .
ولما كان طروء الفساد متكررا فالإصلاح بما ذكر يكون دائما متكررا .
والمداومة على المبادرة إلى إصلاح النفس من فسادها ، والقيام في ذلك ، والجد فيه ،
هامش
( 1 ) هو عبيد بن الأبرص المتوفى سنة 25 قبل الهجرة .
( 2 ) أورده أبو الفرج الأصفهاني في الأغانى ( 19 / 84 ) ، وعبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ( 1 / 323 ) .