والتصميم عليه ، هو من جهاد النفس الذي هو أعظم الجهاد .
ومن معنى هذه الآية قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
( 222 ) [ البقرة : 222 ] ، وهم الذين كلما أذنبوا تابوا ، والتوبة طاهرة للنفس من درن المعاصي .
( والغفور ) في قوله تعالى :
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً
( 25 ) [ الإسراء : 25 ] ، هو الكثير المغفرة ، لأنه على وزن فعول ، وهو من أمثلة المبالغة الدالة على الكثرة .
والمغفرة ستره للذنب وعدم مؤاخذته به .
ولما ذكر من وصف الصالحين كثرة رجوعهم إليه ، ذكر من أسمائه الحسنى ما يدل على كثرة مغفرته ليقع التناسب في الكثرة من الجانبين ، ومغفرته أكبر ، وليعلم أن كثرة الرجوع إليه يقابله كثرة المغفرة منه ، فلا يفتأ العبد راجعا راجيا للمغفرة ، ولا تقعده كثرة ما يذنب عن تجديد الرجوع ، ولا يضعف رجاءه في نيل مغفرة الغفور كثرة الرجوع .
نكتة نحوية :
وقد أكد الكلام ب ( إن ) لتقوية الرجاء في المغفرة .
وجئ بلفظة ( كان ) ، لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه مع سابق ، وهذا مما يقوى الرجاء في اللاحق ؛ فقد كان عباده يذنبون ويتوبون إليه ، ويغفر لهم ، ولا يزالون كذلك ، ولا يزال تبارك وتعالى لهم غفورا .
تطلب التوبة مهما عظمت الذنوب :
وإنما احتيج إلى هذا التأكيد كله في تقوية رجاء المذنب في المغفرة ، ليبادر الرجوع على كل حال ، لأن العبد مأخوذ بأمرين يضعفان رجاءه في المغفرة :
أحدهما : كثرة ذنوبه التي يشاهدها ، فتحجبه كثرتها عن رؤية مغفرة اللّه تعالى ، التي هي أكبر وأكثر .
والآخر : رؤيته لطبعه البشري ؛ وطبع بني آدم من المنع عند كثرة السؤال ، كما قال شاعرهم - أي : البشر ، لأن الشاعر العربي عبر عن طبع بشرى : ( شعر )
سألنا فأعطيتم ، وعدنا فعدتم * ومن أكثر التسآل يوما سيحرم
فيود القياس - وهو من طباع البشر أيضا - الفاسد : إلى ترك الرجوع والسؤال ، من الرب الكريم العظيم النوال .
فهذان الأمران يقعدانه عن الرجوع والتوبة ، فيستمر في حمأة المعصية ، وذلك هو