ميزان الصلاح :
وصلاح النفس - وهو صفة لها - خفى كخفائها ؛ وكما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن ، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها :
فمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة - وهي الجارية على سنن الشرع ، وآثار النبي صلى الله عليه وسلم - حكمنا بصلاح نفسه ، وأنه من الصالحين .
ومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه ، وأنه ليس منهم .
ولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس وفسادها إلا بهذا الطريق ، وقد دلنا للّه تعالى عليه في قوله تعالى :
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
( 114 ) [ آل عمران : 113 - 114 ] .
فذكر الأعمال ، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين ، فأفادنا : أن الأعمال هي دلائل الصلاح ، وأن الصلاح لا يكون إلا بها ، ولا يستحقه إلا أهلها .
تفاوت الصلاح :
ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال .
ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد ، ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند اللّه في الباطن ؛ فندعى أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند اللّه تعالى من هذا ، لأن الأعمال قسمان : أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب ، وهذه أصل الجوارح .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « التقوى ها هنا » « 1 » ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات ، فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلا اللّه .
( والأوابون ) في قوله تعالى :
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً
( 25 ) [ الإسراء : 25 ] ، هم الكثيرو الرجوع إلى اللّه تعالى :
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 9 / 17 ) ، ومسلم ( 2563 ) .