أخبارهم وتواريخهم ، بل كانوا يمدّونها بالحطب إلى الآن ، ويراعونها في بيوت نيرانهم التي هي معابدهم ، وينقلون من تلك الجمرة والخدرة بشعلها من بعض معابدهم إلى البعض ، فما قصدوا في عبادتهم النار غيري ، فإنهم ظنّوها مظهر نور إلهيتي من حيث إنها مفيضة للخيرات والراحات والحسنات عليهم ، وعبدوها بناء على ذلك ، ولا شكّ في أن نوريتها وخيرها من آثار نور إلهيّتي وخيريّتها ، فلم يكن مقصدهم من هذا الوجه سوائي ، وإن كان من وجه آخر وهو اعتقاد انحصار نور إلهيّتي وهدايتي وخيريّتي وتقيّده بالنور المضاف إلى النار كان قصدهم سواي ؛ لأن مظهرية نور إلهيّتي وخيريته غير منحصرة في ذلك ولا مقيّدة به ، فكان ذلك المنحصر والمقيّد بمظهرية النور الناري هو غيري ، وإن كانوا لا يعتقدون ذلك غيرا ، ولا كانوا يعبدون الغير ، ولكن بسبب اعتقاد الحصر والتقييد يلزمهم ذلك ، وإنما لزمهم قصد عبادة الغير مبنيّا على الغلط والخطأ في التوهّم ، لا على التيقّن والتحقّق ، فلم يكونوا من جهة التحقيق قاصدين غيري ، وكان منشأ توهمهم أنهم شاهدوا ، يعني شاهد إمامهم وأضلّهم الذي هو زردشت ضوء نوري مرة بسبب كثرة الرياضة وقوّة التوجه إلى مثل ما يشاهدون أصحاب الخلوات في رياضاتهم وشدّة توغّلهم في الذكر أنوارا يشرق منها بيوت خلواتهم ، فتوهم زردشت ذلك النور نارا فضل بواسطة تلك الأشعة من نوري الذي هو توهمه نارا في اهتدائه إلى ذلك النور برياضته ومجاهدته وتوجّهه بكلية باطنه إليّ .
قلت : كأن زردشت كان رجلا يتعانى اجتهادا ورياضة واعتزالا عن الخلق في جبل من جبال أذربيجان ، يقال له سيلان سنين كثيرة ، وكان في عهد كشتاسب من ملوك العجم بعد عهد موسى عليه السلام ، وكان فيه قابلية قبول حقّ وعدل وصدق وخيرية وشعور بخالقه مثل أصحاب الفترات الذين لم يبلغهم دعوة نبي ، لكن شهدت فطرهم السليمة بكون فاطرهم وخالقهم وممدّهم رجوعهم إليه ، وبمعاناة الأخلاق الحميدة والسير المرضية كقيس بن ساعدة الإيادي في العرب وغيره .
وبعد الملازمة على الجوع والسهر والصمت والعزلة والتوجّه إلى موجده وترك مرادات نفسه وهواها وعاداتها بانت له صفاء روحانيّته عند زوال كدورات نفسه وطبيعته مثل ما يبدو لأصحاب الخلوات منّا ، وتلك الأنوار بسبب عدم متابعة الأنبياء الهادين المرشدين صارت فتح باب دخول الشيطان عليه على ما قيل : « من لم يكن له شيخ في سلوكه كان الشيطان شيخه » ، فألقى الشيطان في وهم زردشت
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 281
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٨١