يعني : كان سير سليمان بجيشه من الإنس والجنّ حال كون ظهر الريح تحت بساطه الذي يذكر أن طوله مقدار فرسخ تحمله الريح وتسير به وبمن عليه من أهل مملكته فوق الأرض بائنة عنها ، وتقطع بهم الريح مسافة بعيدة على ما حكى الكتاب العزيز بقوله :
غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
[ سبأ : الآية 12 ] ، وذلك لكون الريح مسخّرة لسليمان وحكمه وتصرّفه ، جميع ذلك كان بذلك الجمع ، وأثر سرايته في سليمان عليه السلام ، وكذلك إحضار عرش بلقيس من بلد سبأ اليمن إلى تدمر الشام ، أو إصطخر فارس على يد من عنده علم من الكتاب كتاب القلم أو كتاب اللّوح المحفوظ من غير مشقّة على بعد المسافة قبل ارتداد طرف سليمان ، أي رجوع نور بصره من المنظور إلى ناظره ، كل ذلك كان بذلك الجمع وسراية أثره في سليمان عليه السلام وفي غيره .
قلت : وإنما قدم ذكر سليمان على ذكر إبراهيم وموسى ويوسف وعيسى عليهم السلام لأن أثر هذا الجمع وسرايته بحكم التأثير والتصرّف الذي نحن بصدد ذكره الآن كان ظاهرا في ظاهره بحصول تصرّف وملك ظاهر له بتسخيره الجنّ والإنس والوحش والريح والطير جميعا ، أو في باطنه أيضا من التمكّن من التصرّفات الباطنية المتعلقة بالمعجزات ، فكان جامعا بين شمول التصرّفين والنوعين من أثر هذا الجمع المذكور دون غيره ، وإنما لم يقدمه على نوح ؛ لأن نوحا عليه السلام كان أوّل من بدأ بظهور أثر هذا الجمع فيه ، وأول من ظهرت المعجزة على يده وأثّر دعاؤه في قومه بالإهلاك والإفناء ، وأول المرسلين أيضا ، فكانت البداية بذكره أنسب في هذا المعرض ، واللّه الهادي .
وأخمد إبراهيم نار عدوّه ، وعن نوره عادت له روض جنّة ولمّا دعا الأطيار من كلّ شاهق ، وقد ذبحت ، جاءته غير عصيّة
وكان أيضا بذلك الجمع وسراية أثره في إبراهيم عليه الصلاة والتحيّة أخمد نار عدوّه نمرود التي أوقدها اللّعين شهرا بوقود لا تنضبط كثرته ، واشتعالها بحيث ما كان يتمكن أحد من اقترابها من مسافة ميل أو أكثر ، ورمى إبراهيم عليه السلام فيها بمنجنيق علّمهم الشيطان صنعته ، فجاءه جبريل عليه السلام وهو في الهواء ، وقال : هل لك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، فتوجّه إبراهيم عليه السلام إلى هذا الجمع وقال بلسانه المعبّر عنه بقلنا
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
[ الأنبياء : الآية 69 ] ،