حكم هذا الاشتمال ؛ فلا جرم أريدت لها هذه الحالة تضاعفت قواها وأعطت فعلها كل ذرة ، وإن لم يبد ، فهو ظاهر بحكم النشأة والبشرية والقيام بأحكامها وأحكام مقام النبوّة والرسالة الذي مقتضاه الاشتغال بالغير والتلبّس بأحكام الجزئية والغيريّة .
وناهيك جمعا ، لا بفرق مساحتي مكان مقيس أو زمان موقّت
يقال : هذا رجل ناهيك من رجل ، يعني غاية في كل ما تطلبه ينهاك بغناية عن تطلب غيره ، وقوله : جمعا أراد به حضرة أحدية الجمع ، وهو منصوب بنزع الخافض ، أو قل لإيصال الفعل والمساحة ، التقدير : وأصله مسح الأرض بالزراع ، ثم استعمل في المكان المحدود المحصور .
يعني : إن المكان جمع تفرقته بالتقدير مقدر محصور في أربعة آلاف وعشرين ألف فرسخ ، كل فرسخ اثنا عشر ألف خطوة لا يزيد على هذا القدر ، وكذلك الزمان مؤقت بعين معين أوقات آناته بتمام دورة واحدة من الفلك المحدّد بأربع عشرين ساعة ، كل ساعة ستون دقيقة ، كل دقيقة ستون ثانية لا يزيد على هذا ولا ينقص ، فهو - أعني الزمان - جمع هذه التفرقة المحصورة المحدودة ، وكما أن تفرقة هذين الجمعين محدودة محصورة كذلك حكمهما وأثرهما فيما يكون حالا ونازلا فيهما أيضا محدود محصور . وأما جمعي ، فهو خواصه ما بيّنته من شمول التصرّف في كل شيء كان ما كان ، واشتمال كل شيء فيه على كل شيء ينهاك بكماله وعظمته واشتماله عن التطّلع إلى كل جمع وتفرقة ومحل غيره في حصول مطالبك فهو جمع لا يلحقه ولا يظهر فيه حكم تفرقة تحديد المكان المقدّر المعدود أو الزمان المؤقت المحدود جامع لكل جمع وكل تفرقة ، وحكم تفرقتي الزمان والمكان غير مؤثر فيه وهو مؤثر فيهما ، لما ذكرنا من بسط زمان بالنسبة إلى البعض وقبضه بحيث يصير ألف فرسخ منه خطوة واحدة ، فهو المؤثر في الكل ، ولا يؤثر فيه في شيء إلّا هو وصاحبه عند الطلب بحكم الإجابة وقضاء الحاجات ، فكان هو المؤثر نفسه ، وذلك من سعة كماله ولطف اشتماله ، وكل أثر ظهر في العالم من الأنبياء ومعجزاتهم ، ومن الأولياء وكراماتهم جميع ذلك من سراية أثر من جمعي المذكور في ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم .