وأمتنى مسكينا واحشرنى في زمرة المساكين ، فقال أنس بن مالك يا رسول اللّه إنك لتدعو بهذا الدعاء كثيرا ، فقال : يا أنس إنّ الرّحمة لا تفارقهم طرفة عين يقول اللّه عز وجل ما ضرّكم ما فاتكم من الدّنيا بعد أن كنت لكم حظّا » . وقال أبو سليمان الدارانى : بلغني أن تنفس الفقير دون شهوة تعدل عبادة الغنى ألفي عام . وقال بعض السلف : العبادة مع طلب الدنيا كروضة على مزبلة ، والعبادة الفقير كعقد جوهر في جيد حسناء .
من كان ذا مال كثير ولم * يقنع فذاك الموسر المعسر
وكلّ من كان قنوعا وإن * كان مقلّا فهو المكثر
الفقر في النّفس وفيها الغنى * وفي غنى النّفس الغنى الأكبر
هل سمعتم أن فقيرا ادعى الربوبية ، أم هل بلغكم أن فقيرا نازع الألوهية ، وكم من جبار تفرعن وطغى ، ومترف تجبر وبغى :
من شرف الفقر ومن فضله * على الغنى يا صاح لو تعتبر
أتّك تعصي كي تنال الغنى * ولست تعصيى اللّه كي تفتقر
والفقر عام وخاص ؛ فالعام الحاجة إلى اللّه تعالى وهذا وصف كل مخلوق مؤمن وكافر وهو معنى قوله تعالى
( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) .
والخاص وصف أولياء اللّه تعالى وأحبابه ، وهو خلوّ اليد من الدنيا وخلوّ القلب من التعلق بها اشتغالا باللّه تعالى وشوقا إلى اللّه تعالى وأنسا بالفراغ والخلوة مع اللّه تعالى .
أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : يا داود أبلغ أهل الأرض أنى حبيب لمن أحبني ، وجليس لمن جالسنى ، ومؤنس لمن أنس بذكرى ، وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ، ومطيع لمن أطاعني ؛ ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي . من طلبنى بالحق وجدني ، ومن طلب غيرى لم يجدنى ، فارفضوا يا أهل