الفصل السادس والعشرون في الفقر
الحمد للّه الذي لا يخيب لديه أمل من أمّله ، ولا يغيب عن بساط قربه من رضيه وقبله ، الأول من غير بداية . والآخر من غير نهاية الغنى الذي لا شريك له فيما ثبت له ، القدوس الصمد الواحد الأحد الذي لا شريك له فيما فعله . استوى على العرش من غير تكييف ولا تشبيه وقد ضل من شبهه ومثله . العرش لا يمسكه . والعقل لا يدركه . الوهم لا يصوره .
والفكر لا يقدّره . وقد خاب من كان ظنه من الإيمان جدله . القريب بعلمه وقدرته وكرمه ورأفته . ففي كل ليلة يدعو العباد إليه فيغفر لمن استغفره ويتوب على من تاب إليه ويعطى من سأله . الحي العليم القدير المريد السميع البصير ووصف كماله لا حد له ، المتكلم بكلام قديم أزلي لا يشبه كلام خلقه ، والقرآن كلام اللّه الذي أنزله : صفاته قديمة ثابتة بالأدلة وقد ضلت المعتزلة . من نفى عنه صفات الكمال فإنما يتعلق بزخرف الجدال وخاض في الظلمات المعطلة
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
ومن شبه فقد جهل فيما انتحله ، سبح بحمده كل ناطق وصامت ففي كل مصنوع سر لمن تأمله ، فالأكوان كلها واقفة على قدم الافتقار ، ناطقة بلسان الاضطرار ، متضرعة مبتهلة فلعزه يجب الخضوع ، ولخوف هجره تسيل الدموع وفي جلاله تحق الحيرة والوله . قسم عطاءه بين خلقه ، فالقريب من قربه والبعيد من حجبه وكل يسعى فيما له أهّله ، والشقي من قطعه ومنعه وخذله وصرعه ، والسعيد من والاه وتولاه وارتضاه ووصله ، ما أسعد من أيقظه مولاه لذكره فلم يقطعه عنه قاطع ولا شغله ، ما أبعد من ضيع عمره في الغفلات فلم ينتفع بما حصله ، ما أطول حسرته يوم العرض على الجبار ،