الفصل الثالث والعشرون في المراقبة والإنابة
الحمد للّه الغنى الحفى ، القوى الولي ، الوفي العلى ، عن مداناة الأوهام ، العظيم الحليم الحكيم العليم الرحيم العلام . الأول بوصف القدم . الآخر فلا يجوز عليه العدم . الظاهر فلا يخفى معرفته إلا على من جحد وظلم ، الباطن فلا يحيط به الوصف ولا يمثله الذهن ، ولا تدركه الأفهام ، المنفرد بأوصاف الكمال ، المتوحد بنعوت الجلال ، الصمد الذي لم يزل ولا يزال ، موصوف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام
( تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ )
نوّر قلوب العارفين بضياء الإلهام ، وأيقظ أسرار القاصدين وألاح لهم الأعلام ، وأشغل أسماعهم بلذة خطابه عن سماع الملام ، واستنهض عزائمهم فساروا في حنادس الظلام ، حاديهم الوجد ودليلهم القصد وسائقهم الغرام . شمروا حتى وصلوا ، وطلبوا حتى حصلوا ، ووقفوا حتى قبلوا ، وأهل الغفلة نيام ، ليس المقبول كالمطرود ، ولا المحبوب كالمردود ، ولا الوصال كالصدود ، ولا الخلي كالمستهام ، ليس من رضى بالغدر والجفاء ، كمن أقام على حق الوفاء ، ورعى الزمام ، بينك وبين مولاك عهد
( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ )
وحفظ العهد من شيم الكرام ، وقد وضح لك المحبة وأكد عليك الحجة وأسبغ عليك الإنعام ، أفلا تستحى ممن أوجدك وحباك وعرّفك ، وهداك وأيدك ووالاك وخطبك ونادك ووعدك بشرف المقام .
وقال سبحانه وتعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً . وَسَبِّحُوهُ