الفصل الثامن عشر في العبودية وذكر العشر
الحمد للّه الذي تفرد بأوصاف عظمته وكماله ؛ وتقدس بعز كبريائه وجلاله ، وتوحد بالخلق والإبداع فلا شريك له في أفعاله ، وعم كل مخلوق جزيل إفضاله ونواله ، وخص المؤمنين بتوحيده فضلا وإنعاما . أدلة وجوده وآثار جوده للعقول ظاهرة ، والأفهام عن إدراك ذاته والإحاطة بصفاته قاصرة ، والأسرار في تعظيمه داهشة حائرة ، والأفكار إذا نظرت في عجائب صنعته قصرت عن إدراك حكمته ورجعت خاسرة ، والأرواح إذا هب عليها نسيم إسعاده رتعت في رياض وداده تيها وهياما ، هو الأول والآخر بالقدم والبقاء الظاهر والباطن بالقهر والكبرياء ، القدوس الصمد الغنى عن جميع الأشياء ، الواحد الأحد المنزه عن جميع الأشباه والشركاء ، العزيز الذي يعز من والاه ويذل من ناوأه قهرا وإرغاما ، الحي العليم فلا يخفى عليه خافية ، السميع البصير سواء عنده السر والعلانية ، المريد القدير وشواهد قدرته واضحة كافية ، المتكلم بكلام قديم أزلي وصلت بركاته إلى القلوب الصافية ، صفاته ثابتة بالأدلة فلا يجحدها إلا من عمى أو تعامى ، عظّم ربك بنفي التشبيه مع إثبات صفات الكمال ولا تركن إلى جمود المشبهين فإنما تعلقوا بالوهم والخيال ، ولا تصغ إلى شبه المعطلين « فما ضلّ قوم إلّا أوتوا الجدال » وكن من الذين مدحهم اللّه تعالى بقوله وله العز والجلال :
( وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً )
تبتل بذكره وتمسك بكتابه وتنعم بمناجاته ، فكفاك أن يراك من الواقفين ببابه ؛