الفصل الخامس عشر في الاستعانة وذكر رمضان
الحمد للّه المنفرد بالقدم والبقاء والعظمة والكبرياء ، والعز الذي لا يرام ، الصمد الذي لا يمثله العقل ولا يحده الفكر ولا تدركه الأفهام ، القدوس الذي تنزه عن أوصاف الحدوث فلا يوصف بعوارض الأجسام ، الغنىّ عن جميع المخلوقات فالعلوى والسفلى والإنس والجن والعرش والكرسي مفتقر إليه وهو غنى على الدوام ، سبق الزمان فلا يقال متى كان ، وخلق المكان فلا يقال أين كان ، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام الحي العليم القدير السميع البصير المدبر الخبير المتكلم بكلام قديم أزلي لا يشبهه كلام صفاته كذاته فلا وجه للجدال والخصام ، ترك المعطل ما ورد به النقل من صفات الكمال فحار على وجهه وهام ، وجهل المشبه ما شهد به العقل من صفات الجلال فهو يخبط في الظلام وجمع المحقق بين العقل والنقل فآمن باللّه واستقام ، وشغله عن الفكر في ذاته الإجلال والإعظام ، فوجد لذة مناجاة مولاه فهجر لذيذ المنام وصحب رفقة
( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ )
رغبة في القيام فلو رأيتهم وقد سارت قوافلهم في حندس الظلام واحد يسأله العفو عن زلته وآخر يسأله التوفيق لطاعته وآخر يستعيذ به من عقوبته وآخر يرجو منه جميل مثوبته وآخر يشكو إليه ما يجد من لوعته وآخر شغله ذكره عن مسألته فسبحان من أيقظهم والناس نيام :
للّه ما أطيب ذاك السّهاد * وما ألذّ القرب بعد البعاد
وما أشدّ الهجر من بعد ما * قد كنت من جملة أهل الوداد