الفصل الثاني عشر في التقوى
الحمد للّه الذي تفرد بالعز والجلال ، وتوحد بالكبرياء والكمال ؛ وجلّ عن الأشباه والأشكال ، ودل على معرفته فأزال الإشكال ، وأذل من اعتز بغيره غاية الإذلال ، الذي خلق الإنسان من صلصان كالفخار وأتقن تركيب العروق والعظام والأوصال ، وخلق الجان من مارج من نار فتكبر وصال ، فطرده وأبعده وحرمه الوصال ، وتفضل على المطيعين بلذيذ الإقبال ، نعّمهم في الدنيا بمعرفته وخدمته وأكرمهم في العقبى برؤية وجهه فلهم النعيم في الحال والمآل ، وشغل المرضين عنه بحظوظهم العاجلة عن جزيل النوال ، وأملى لهم بإدامة النعم فظنوا الإمهال إهمال ، سبقت قسمته فما يغنى الاحتيال ، لا يتوجه عليه حق وقد خاب من وزن أحكامه بميزان الاعتزال
( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ )
وكيف يتوجه على المالك القادر سؤال ، بيده ملكوت السماوات والأرض ومفاتيح الأقفال ، لا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه وهو الخالق الفعال ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن الكبير المتعال ؛ استوى على العرش من غير تكييف ولا تشبيه ولا صعود ولا انتقال ، لا يحويه الفكر ولا يحدّه الحصر ولا يدركه الوهم والخيال ارتع بفكرتك في رياض صنعته فليس للأفكار في جلال عزته مجال ، ضل أهل التشبيه عن جادة التنزيه فهلكوا في الضلال ، وزل أهل التعطيل في أودية الأباطيل ، فاشتغلوا في الجدال ، وجمع العارفون بين النقل والعقل فسلكوا طريق الاعتدال ، تذلل بين يدي مولاك أيها الفقير واقرع الباب بدوام الابتهال ، فهو الحكيم الرؤوف الرحيم الذي لا تخيب لديه الآمال ، يعلم ما أضمره العبد من السر وأخفى