وحب الجاه والرياسة ، ورؤية النفس ، فصاروا كالطير المقصوص لا يقدر على الطيران ، فافتقروا إلى صفات من جهة اللّه تعالى ، ليتصفوا بها حالة إظهار آثار الولاية الكبرى ، وهي العلوم الفرقانية ، والحكم الربانية وغير ذلك . وأما فقر الأفعال فهو فقر الأنبياء ، لأنهم مفتقرين إلى اللّه تعالى في الإذن بالأعمال والآداب وغير ذلك ، فمن اتصف بواحد من هذه الأفعال يكون فقيرا ، فإن كان فقره من جهة الذات فلا يعرفه أحد ، ولا يعرف هو أحدا ، بل يكون مشتغلا بالذوق والشوق ، ورؤية الحق في مقام الكمال . وإن كان فقره من جهة الصفات فيعرف هو نفسه ولا يعرفه أحد ، لأنه حينئذ خرج عن الصفات الظاهرة التي هي سبب معرفته ، واتصف بالصفات الباطنة من المعرفة والحال والوجد وغير ذلك . وإن كان فقره من جهة الأفعال فتعرفه الناس وهو يعرف نفسه ، لأن الفعل هو الصفة التي يرى أثرها في الخارج ، وإن كان فقره بالمجموع فيكون شيخا كامل الذات ، كامل الصفات ، مدرك الحقائق ، واسطة بين اللّه وبين الخلائق ، يخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية .
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 122
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٢