تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣

السؤال الثاني - ما صفة الفقير ؟

الجواب : اعلم أن الفقير له سبع صفات في الظاهر ، وسبع في الباطن . أمّا الأول من السبع التي في الظاهر فهي أن يكون كثير العبادة ، لأنه لما افتقر إلى اللّه تعالى ورجع بكليته فيلزم أنه لا يشتغل بشيء إلّا بما أمر به . وقد أمر بالعبادة لقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذّاريات : الآية 56 ] . فلا يشتغل دائما إلا بالعبادة . والثاني أن يكون كثير الذكر ، لأنه إذا عبد اللّه على قدر طاقته ، فتقرب إليه بأداء أوامره ، فيتجلى اللّه عليه باللطف والرحمة ، فملأ قلبه من نوره ، فنسي غيره وأن لا يرى إلا هو فيذكره دائما . والثالث أن يكون قليل الكلام ، لأنه كلما بعد عن غير اللّه وتقرّب إليه وقبل من تجلياته تاه في جلال عظمته ، فلا يبقى له نطق ليخبر عن الغير في ذلك العالم . والرابع أن يكون صاحب الإيثار ، لأنه لما رأى الحق متجلّيا عليه بأنواع النعم ، من العلم والمعرفة والحال وغير ذلك ، فيختار الاتصاف بصفات الحق الأعظم ، وهي الوهاب والمعطي والنافع وغير ذلك ، فيعطي كلّ من وصل إليه صورة ومعنى ، ويؤثره على نفسه . والخامس أن لا يردّ من توجه إليه في أي حاجة كان ، لأنه لما صار عالما باللّه تعالى وبالأكوان ، فيعلم أن بعض الخلائق محلّ للطفه ، وبعضها محلّ لقهره ، وهو المتجلي على الكل ، فلا يردّ أحدا ، لأنهم بمثابة الآلة ، والفاعل الحقيقي هو اللّه تعالى . والسادس ، أن يكون كثير الأسفار ، لأنه ينتقل في كل ساعة من حال إلى حال ، ومن مقام إلى مقام ، فيختار السفر في عالم الشهادة مطابقة بين الصورة والمعنى . والسابع ، أن لا يختار أحدا على أحد إلا بنظر العقل ، بل عنده جميع الخلائق في درجة واحدة