تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١

السؤال الأول - ما الفقر ؟

الجواب : اعلم أنّ معنى الفقر مكنون في جوهر كل موجود سوى المبدأ الأعلى ، الفائض على الأكوان سبحانه وتعالى ، لأنه المتجلي دائما على الموجودات بالرحمة العامة الإيجادية ، ليعطي كل شيء ما يستحقه من القوة والقدرة ، فيحتاج ذلك الشيء إلى قابلية تقبل تلك الرحمة ، وتلك القابلية التي تستلزم دوام التوجه إليه في جميع الأحوال والأقوال ، بحيث لا يقبل فيضا من غيره ، ولا يضيف أمرا من الأمور إلا إليه ، وإلى هذا المعنى أشار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « الفقر فخري وبه أفتخر » « 1 » أي يكون فخري يوم القيامة بأن أكون مفتقرا إلى اللّه تعالى ، لا إلى شيء سواه . ولما كان الإنسان أشرف الموجودات وأكملها لقوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : الآية 70 ] ، صار فقره أكمل وأتم من غيره . وهو ، أعني الفقر ، بالنسبة إليه ينقسم ثلاثة أقسام : فقر الذات ، وفقر الصفات ، وفقر الأفعال ، أما فقر الذات فمشترك فيه جميع الناس ، وهو الإقرار بالوحدانية ، لأن كل أحد ، من المؤمن والكافر ، إذا اضطر في أحواله وأقواله يرجع إلى اللّه تعالى بكليته ، ويذكره بلسانه وقلبه ، وذلك الرجوع هو الفقر الذاتي . وأما فقر الصفات فهو فقر الأولياء ، لأنهم لمّا سلكوا طريق التجريد عن الدنيا والتفريد عن الآخرة ، ووصلوا إلى عالم التوحيد ، زالت عنهم جميع الصفات المضافة إليهم ، من الشهوة ، والحرص ،
هامش
( 1 ) هذا الأثر سبق الحديث عنه .