ففي التوجّه لمحاسبة النّفس يقع الاطّلاع على عيوبها ، وفي ملاطفة الخلق يكون صرفها عن عيوبها المختصّة بالخلق ، وفي مراقبة الحقّ يكون صرفها عن بقيّة عيوبها ، وهي المختصّة بالحقّ ، وبمجموع هذه تزكو النّفس ، وتتأهّل لسلوك الفقراء ، لأنّ سلوك الفقر هو بعد قطع مقام التصوّف ، هذا لمن سلك الطّريق على التّرتيب الصّحيح ، وأمّا من اختصر الطّريق ، أو كان من المجذوبين ، فحكمه غير هذا .
[ الدّرجة الثانية : السّكينة عند المعاملة ، محاسبة النّفس ، وملاطفة الخلق ، ومراقبة الحقّ . ]
الدّرجة الثالثة :
السّكينة التي تثبت الرّضا بالقسم ، وتمنع من الشّطح الفاحش ، ويقف صاحبها على حدّ الرّتبة ، والسّكينة لا تتنزّل إلّا في قلب نبيّ أو وليّ .
( 1 ) هذه الدّرجة / الثالثة تكون لأهل المعرفة وأهل الصّحو بعد السّكر .
قوله : تثبت الرّضا ، أي توجب لصاحبها أن يرضى بالمقسوم له .
قوله : وتمنع من الشّطح الفاحش ، الشّطح الفاحش هو مثل ما نقل عن الحلّاج ، وعن أبي يزيد البسطاميّ أيضا ، فأمّا الجنيد رحمة اللّه عليه ، فكانت له هذه السّكينة ، فما شطح شطحا فاحشا ، بل كان يستر الحقيقة بالعلم ، وكان الشبليّ أقلّ منه في ذلك ، ومعنى الفاحش ، الخارج عن الحدّ المألوف .
قوله : ويقف صاحبها على حدّ الرّتبة ، أي يوجب لصاحبها الوقوف عند حدّه من رتبة العبوديّة .
قوله : السّكينة لا تتنزّل إلّا على قلب نبيّ ، أو وليّ ، يعني ، هذه السّكينة التي ذكر أنّها ضياء تلك السّكينة الثالثة ، فهي تختصّ بالأنبياء والأولياء .