وأمّا التقيّة فهي التّقوى . وأمّا العزّة فهي الجاه ، والمراد بالتّمييز هنا ، هو أن يفرّق التّائب بين التقيّة الخالصة من الرّياء ، وبين صورة التقيّة الّتي يقصد بها العزّة والجاه بين النّاس ، فإنّ كثيرا من المتّقين يتلبّس عليهم حالهم ، لأنّهم يفعلون التقيّة ونفوسهم تطلب بها الجاه والعزّة ، وهم يظنّون أنّهم أخلصوا العمل ، فمن لم يميّز بين التقيّة والعزّة لم يحصل له باطن حقيقة التّوبة .
وأمّا نسيان الجناية ، فهو الاشتغال عن ذكر الذّنب بصفاء الوقت مع اللّه تعالى . وقد قال المشايخ رضي اللّه عنهم : ذكر الجفاء في وقت الصّفاء جفاء ، فمن لم يشغله صفو وقته مع اللّه تعالى عن ذكر الذنوب لم يحصل له باطن حقيقة التّوبة .
وأمّا التّوبة من التّوبة ، فهي / أيضا لصفاء الوقت ، فإنّ التّوبة كما قال الشيخ : لا تصحّ إلّا بعد معرفة الذّنب ، فهي تحتاج إلى ذكر الذّنب .
وقد قلنا : إنّ ذكر الجفاء في وقت الصّفاء جفاء ، فيتوب من هذه التّوبة التي هي سبب ذكر الذّنب .
قال الشيخ رحمه اللّه :
والدّليل على صحّة وجود التّوبة من التّوبة قوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
. ومن جملة المؤمنين التّائبون ، فقد وقع الأمر للتّائبين بأن يتوبوا ، وليس لهم ذنوب يتوبون عنها ، لأنّهم قد تابوا ، فبقي أن يتوبوا من التّوبة ، أي من ذكر الجفاء الذي يصحب التّوبة ، وفي ذلك بقول بعضهم :
تاب من الذّنب أناس * وما تاب من التّوبة إلّا أنا
وما ذاك إلّا لحرصهم على الجمعيّة وصفاء الوقت مع اللّه تعالى