فالتصوّف إذن معرفة - أسمى درجات المعرفة بعد النبوّة - إنّه مشاهدة وهو طريقة إلى المشاهدة .
وإذا أردنا أن نلجأ إلى الإمام « الغزاليّ » في تلخيص الطّريق والغاية ، فإنّنا نجده يقول في كتابه الخالد « إحياء علوم الدّين » :
« الطّريق تقديم المجاهدة ، ومحو الصّفات المذمومة ، وقطع العلائق كلّها ، والإقبال بكنه الهمّة على اللّه تعالى ، ومهما حصل ذلك كان اللّه المتولّي لقلب عبده ، والمتكفّل له بتنويره بأنوار العلم .
وإذا تولّى اللّه أمر القلب فاضت عليه الرّحمة وأشرق النّور في القلب ، وانشرح الصّدر ، وانكشف له سرّ الملكوت ، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرّة بلطف الرّحمة ، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهيّة » .
فإذا ما حصل ذلك كانت المشاهدة .
ومن القصص اللّطيفة التي تصوّر الوسيلة إلى المشاهدة في سهولة ويسر القصّة التالية : قال « ذو النّون » : رأيت امرأة ببعض سواحل الشّام .
فقلت لها : من أين أقبلت رحمك اللّه ؟ قالت : من عند أقوام تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، يدعون ربّهم ، خوفا وطمعا . قلت : وأين تريدين ! قالت : إلى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه . قلت : صفيهم لي ، فأنشأت تقول :
قوم همومهم باللّه قد علقت * فما لهم همم تسمو إلى أحد
فمطلب القوم مولاهم وسيّدهم * يا حسن مطلبهم للواحد الصمد
ما أن تنازعهم دنيا ولا شرف * من المطاعم واللذّات والولد
ولا للبس ثياب فائق أنق * ولا لروح سرور حلّ في بلد
إلّا مسارعة في أثر منزلة * قد قارب الخطو فيها باعد الأبد
فهم رهائن غدران وأودية * وفي الشوامخ تلقاهم مع العدد