ولا ريب أنّ « الصوفيّ » كثير العبادة ، ولكنك قد تجد أشخاصا كثيرين يقيمون الصّلوات المفروضة ، ويكثرون من النّوافل ، ويداومون على العبادة ، ولا يكون معنى ذلك أنهم من « الصوفيّة » .
ونخلط النّاس بين الزّاهد والعابد والصوفيّ ، حاول « ابن سينا » أن يفرّق بينهم ، وبين أهداف كلّ منهم يقول في كتابه « الإشارات » :
1 - المعرض عن متاع الدنيا وطيّباتها يخصّ باسم « الزّاهد » .
2 - المواظب على فعل العبادات ، من القيام والصيام ونحوهما ، يخصّ باسم « العابد » .
3 - المنصرف بفكره إلى قدس الجبروت ، مستديما لشروق نور الحقّ في سرّه ، يخص باسم « العارف » .
و « العارف » عند « ابن سينا » هو « الصوفيّ » .
ويتحدّث « ابن سينا » - كما يذكر غيره - أنّ الزّاهد قد يكون عابدا ، والعابد قد يكون زاهدا ، فيمتزج الزّهد والعبادة في شخص واحد ، ولا يكون بعبادته وزهده معا : « صوفيّا » .
ولكن « الصوفيّ » لا محالة ، زاهد عابد .
على أنّ هناك تفرقة حاسمة ، بين زهد الصوفيّ وعبادته ، وبين زهد غير الصوفيّ وعبادته .
وهذه التفرقة : إنّما هي في الهدف ، أكثر منها في الأسلوب والمنهج .
ولقد تحدّثت السيّدة « رابعة العدويّة » ، رضي اللّه عنها ، عن هذا بأسلوب مؤثّر ، وتحدّث غيرها ، والكلّ يتّفق على أنّ زهد غير الصوفيّ ، إنّما هدفه الاستمتاع في الآخرة ، فهو نوع من المعاملة « كأنّه يشتري بمتاع الدّنيا متاع الآخرة »
منازل السائرين ( شرح التلمساني ) — صفحة 10
مساهمون: عبد الحفيظ منصور
ص١٠