« ليس التصوّف رسما ، ولا علما ، ولكنّه « خلق » ثمّ يعلّل ذلك بقوله : لأنّه لو كان رسما ، لحصل بالمجاهدة ، ولو كان علما ، لحصل بالتعليم ، ولكنه تخلّق بأخلاق اللّه ، ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق الإلهيّة بعلم أو رسم » .
ويحدّد « أبو الحسين النوريّ » - في تعريف آخر - الأخلاق التي يتكوّن منها التصوّف فيقول :
« التصوّف : الحريّة ، والكرم ، وترك التكلّف ، والسّخاء » .
هذا الاتّجاه الأخلاقيّ في تعريف التصوّف ، شائع في الشرق وفي الغرب ، وهو - أيضا - شائع في الزمن القديم ، وفي الزمن الحديث . . .
ومع ذلك ، فإنّه لا يعبّر عن التصوّف تعبيرا دقيقا .
على أنّ هؤلاء الذين ذكروا هذه التعاريف الأخلاقيّة للتصوّف ، ذكروا ، هم أنفسهم ، تعاريف أخرى ، وذلك - على الأقلّ - يدلّ دلالة لا لبس فيها ، على أنّهم : لم يروا كفاية الجانب الأخلاقيّ في تحديد التصوّف وتعريفه .
والواقع أنّنا لو نظرنا إلى كثير من الأشخاص الذين اشتهروا بالسموّ ، في الجانب الأخلاقيّ الكريم ، واتّصفوا بأروع الصّفات الأخلاقيّة ، واتّخذوا الفضيلة مذهبا وشعارا . فإنّنا نجدهم أشخاصا مثاليّين في المحيط الأخلاقيّ ، وفي المجتمع .
ولكن ليس معنى ذلك أنّهم لا محالة من الصوفيّة :
ولو نظرنا في البيئة اليونانيّة لوجدنا داعية إلى الفضيلة ، ومتمذهبا بها ، ومحاولا نشرها بشتّى الوسائل ، وبمختلف الطّرق ، سواء أكان ذلك بالدّعوة الإقناعيّة ، أو بالمنطق الجدلّي ، أو بالأسوة الكريمة ، ذلك هو
منازل السائرين ( شرح التلمساني ) — صفحة 8
مساهمون: عبد الحفيظ منصور
ص٨