والخطوة ، ورأيت من الرجال كثيرا ما رأيت من ظهر « 1 » على ظاهره حكم التوحيد إلا الذي يقوم ببواطن الموحدين غيره ، كان ظاهره لا تؤثر فيه الحوادث شيئا ، لا الحر والبرد ، ولا الجوع ولا الشبع ، ولا السم ولا المدح ولا الذم .
أقام في أسوان في أخذة أخذها أربعين يوما ملفوف في كساء ، لم يتحرك منه عضو حركة واحدة ، فسألته عن باطن حاله في هذه الأخذة ، كيف كان ؟ قال :
كنت فيها بين المحمدية والموسوية - يعنى الرؤية والمكالمة - يتعاقبان عليه .
ولما اجتمع بالشيخ « أبى الحسن بن الصباغ » في آخر عمره ، وكان نحوا من ثمانين سنة ، آوى إليه واستراح عليه ، واطلع على جميع أحواله ؛ فعظمه الشيخ وشهد له أنه من السبعة الأوتاد ، وأخذ عنده أخذتين : أخذة سبعة عشر يوما ، والأخرى خمسة عشر يوما ، وقال الشيخ لأصحابه عنه : هذا المغاور أطلعه اللّه على علمي ، وهذه شهادة عظيمة ؛ لأن علم الرجل هو غاية سره مع اللّه ، عز وجل سبحانه .
ومما حدثني به ، قال : كنت سنين مغاورا بالحرب ، وسنين بالسياحة أدخل إلى بلاد الكفار والأمور ، وأمر بالدخول إلى بلادهم لأجلها ، وحجا بي بحكمي ، إن أردت أن لا يروني ما يروني ، فورد علىّ أمر حق من جهة « 2 » الحق سبحانه بأن أدخل إلى بلاد الكفر لأجتمع فيها برجل صدّيق ، فدخلت لأرضهم وأريتهم نفسي ؛ فأخذوني أسيرا ، وفرح بي من أخذني ، وكفننى وجاء بي للسوق ليبيعنى ، وكان هذا هو الطريق المقصود الذي أمرت به ؛ فاشترانى شخص راكب دابة معتبر ، ووقفنى على الكنيسة لأكون فيها خادما ؛ فباشرت خدمتها أياما ، وإذا بهم قد أحضروا بسطا كثيرة ، ومباخر وطيبا كثيرا .
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 66 .
( 2 ) بداية اللوحة رقم : 67 .