وممن رأيت بمصر الشيخ أبا العباس القسطلاني ، أخص أصحاب الشيخ القرشي ، زاهد مصر في وقته ، ترك زينة دنياه ، وخدم الشيخ القرشي بنفسه ، وإنفاقه ماله وفي بيته كانت إقامة الشيخ القرشي ، وكان أكثر أوقاته آخر عمره بمكة ، وبها مات ، كثير الرياضيات ، يقال : إنه دخل مرة على النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم : « أخذ اللّه بيديك يا أحمد » وسافرت سنة بمكة ، وكانت لي معه أوقات وفوائد ، وكان يكرمني فوق طورى ، لقيني مرة في الطواف فأخذني ودخل قبة الشراب ، كانت بيده يختل فيها بعض الأوقات .
فقال : أريد أن أسألك مسألة ، فقلت : يا سيدي ، لا تفعل قل أريد أن أفيدك ، قال : لا ، فسكت ، قال : أيهما أعلى وأرجح عندك : الإذن أم الأمر ؟ عندما قال :
كشف لي عن الجواب ، سلكت معه الأدب ، قلت : يا سيدي ، ما أنا قدر هذا الحال ، وأنت غالط فىّ ، قال : لا بد من الجواب ، قلت : يا سيدي ، الإذن أعلى من الأمر . فإن المأمور يتصرف بقوى الأمر ، كان أهلا للتصرف أم لم يكن ، وصاحب الإذن مستعد للتصرف متهئ له ، وإنما الإذن له في إظهاره .
قال اللّه سبحانه لعيسى ، مخبرا عما سبق « 1 » لذاته من العطية الكلية ، وإذ تخلق وتفعل كذا وكذا بإذني ، فطرب لذلك وأخذ يعنفنى على قولي : أنت غالط فىّ وهذا من مراحمهم وسرهم لناظرهم فجزاهم اللّه خيرا .
وكان بالمدينة وقتا فحصل لأهلها قحط لانقطاع المطر ؛ فعزم الناس على الاستسقاء ، فقرر أن أهل المدينة يستسقون يوما ، والغرباء المجاورون يوما ، فاستسقا أهل المدينة فلم يمطروا ، فعمل أبو العباس طعاما كثيرا وأطعم الفقراء وأهل الضرورات ، واستسقى فمطروا .
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 59 .