بينه وبين من يحبه ، وما بكيت عمرى ألذ من البكاء آخر الحال ، هددونى بالقيد والحبس إن لم أعد لما « 1 » كنت عليه معه ، فأخبرت الشيخ بذلك فطردنى وقال : رح لأبيك ولا ترجع تأتى إلىّ ، فكنت متهانا ، وكنت أنشد ما قاله مجنون ليلى :
جننا بليلى ثم جنت بغيرنا * وأخرى بنا مجنونة لا نريدها
وأطلعنى اللّه على سر مقصود الشيخ ، إنها أحالنى على صدقي ليكون مؤمنا من الحظ والقصد في ؛ فانشرحت لذلك من جمة الشيخ ، ومضيت إلى دار والدي ، وحبست نفسي في خزانة في علو الدار ، وآليت على نفسي أن لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا أخرج ، أو أرد للشيخ على ما أحب ، فسأل والدي عنى فأخبروه مطرد الشيخ لي ، وبما صممت عليه ، فقال : بعدى يجوع ويحتاج يأكل ويعطش ويحتاج يشرب ، فأقمت إلى ثالث يوم فاستيقظ .
وقال : قولوا له يروح للشيخ ويفعل بنفسه ما يختار ، فقلت : لا أروح أو يروح والدي للشيخ ويسأل قبولى ، وقصدت عزة الشيخ بذلك ، فقال : نعم ، فاستدعانى وخرج ماشيا من بيته إلى مسجد الشيخ وأنا معه ، فقبل يد الشيخ .
فقال : يا سيدي هذا ولدك تصرف فيه وأود لو كنت مكانه ، فقال له الشيخ :
أرجو أن ينفعك اللّه به ، فسلمني للشيخ ومضى ، آجره اللّه وجزاه عنى خيرا ، فأقمت عقيب هذه الاجتماعة شهرا ما رأيته وأنا أحمل على كتفي كل يوم جرتى ماء من بولاق إلى زاوية الشيخ حاصا « 2 » والناس يخبرونه يقول : تركته للّه تعالى ، أسأل اللّه تعالى أن لا يضيع له ذلك ، وأن يجزيه ما هو أهله .
فعند وفاة الوالد رأيت كأن الشيخ قال لي : يا صفى ، قد زوجتك ابنتي ، فلما استيقظت بقيت متحيرا لا يمكنني من الحياء أن أخبره ، وإن لم أخبره يكون خيانة
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 27 .
( 2 ) بداية اللوحة رقم : 28 .