جئنا إلى مصر بعد سنيات بعث الملك العادل الكبير والدي رسولا إلى مكة لا في عزيز ليغير الملك المسعود بن الملك الكامل اليمن .
فجئت أنا حين ذاك إلى الشيخ وصحبته وكنت وأنا صغير إذا ذكر الشيوخ والأولياء تلوح صورته ، فصحبته وغيرت هيأتى ، وكانت هيئة جميلة ، الثياب المذهبة ، والبغلة الحسنة ، وغير ذلك ، وهجرت الأهل « 1 » ولزمت الشيخ إلى أن جاء والدي من مكة في حشكلة « 2 » عظيمة ، وخرج له من مصر سبعون متطليسا للقائه بجميع الاهتمام والحشم ، فقال لي الشيخ : تخرج للقاء والدك ، قلت : يا سيدي ، ما بقي لي والد غيرك ، وأنا ما أركب له شيئا من دوابهم ، ولا آكل معهم ، قال : تخرج على كل حال ، فخرجت على دويبة تحتى خريج أعطانه السبخ ، وخبز وجبن وخيار وسطل ، وأهل يبكون على حالي .
صفى الدين مع والده
وكان لوالدي بغال على الربيع مهيأة أخرجوها له مختومة ، فلما وصلنا لبركة الحاج قعدت وحدى تحت السماء ، وكان الصيف الشديد إلى أن جاء فلقيته وحدى ، فلم يعرفني هو ولا من حوله ، وكان حوله عسكر أجناد ومماليك وخدام إلى أن رآني ، قال : حسين ؟ قلت : نعم حسين ، وقف واصفر وجهه وبهت ، بهته اللّه المسؤول أن يثيبه عليها ، ثم مشى وبقوا متعجبين ، وإذا بأهلي وأخوتى وكل من خرج من الطوائف وصلوا واجتمعوا ، وأنا في ناحية وحدى .
فلما نزل البركة قدمت الباديم ، وجمع على سماطه كل من جاء معه ، وكل من خرج له إلى أنا لم أحضر وبقيت في جمة أبكى بكاء أسير قد أخذ من أهله وحيل
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 26 .
( 2 ) سبق أن ذكرنا معنى حشكلة .