فقلت : الولي إذا تحقق في ولايته ، ومكن بالتصرف روحانيته يعطى من القدرة التصور في صور عديدة في حين واحد في جهات « 1 » متعددة على حكم إرادته ، فالصورة التي رآها بعرفة حق ، والصورة التي رآها لم تفارق دمامين حق ، وصدق كل واحد منهما في عينه .
قال الشيخ : هذا الصحيح ، يشير إلى موافقة ما أوضحته لصورة ما حكم به المنازعين في أمره .
وجاء مرة إلى مصر في زمن الملك الصالح ابن الكامل ، وكان الخلق يزدحمون عليه ازدحاما كنا نخاف عليه فيه التلف ، ولقد رأيته يوما في طبقة الشافعي وحوله حجاب السلطان وبعض الأمراء والخلق حول المكان لا يستطيعون الوصول إليه من الازدحام والقتل بعضهم لبعض ، وهو جالس على حافة صفة ، وحوله فيها أكابر أمراء وأكابر الخلق يزدحمون على يديه من تحت الصفة ، كازدحامهم على الحجر الأسود في أيام الحج ، ويده تخطف من يد إلى يد ، وهو في تلك الحالة ينعس كأن ما حوله أحد لاستمرار حكم الأخذة عليه ، وعدم بقية نفسه يستيقض لما كان فيه من اشتغال الخلق به ، وزحمتهم عليه ؛ لغلبة حكم القناعة .
ولقد كنت معه يوما في هذه الطبقة فأخرجت رأسي من طاق أحد . الخلائق مجتمعين تحت الطاق ، قد ضجروا من القعود للعجز عن الوصول إليه ، صاحوا بابن أبى المنصور : أرنا الشيخ ، فقلت له يا سيدي : أخرج رأسك من هذه الطاق ادع لهؤلاء الخلائق يروك ويروحوا ، فأخرج « 2 » رأسه فوق الخلق ، وكشفوا رؤوسهم وصاحوا : يا اللّه ، يا اللّه ، كأن الحق تجلى عليهم ، فرأيته يبس حتى صار كالقرن ،
هامش
( 1 ) بداية اللوحة رقم : 90 .
( 2 ) بداية اللوحة رقم : 91 .