لاحترق الإنسان ولما بقي . ومن هنا يكون الجهل مطلوبا من وجهة أن بقاء وجود الإنسان به ، والعلم مطلوب أيضا من وجهة أنه وسيلة لمعرفة البارئ . وهكذا فإن كلا منهما معين للآخر ، وهما في الوقت نفسه ضدان . والليل برغم أنه ضد النهار فإنه معينة ونصيره ، وهما يعملان عملا واحدا . ولو كانت الدنيا ليلا متصلا لما أنتج أي عمل ولا ما حصل ولو كانت نهارا متصلا لبقيت العين والرأس والدماغ منبهرة مندهشة ، ولأدركها الخبال والتعطل . ولذلك يرتاح الناس في الليل وينامون فتحصل الآلات كلها ، من دماغ وفكر ويدين وقدمين وسمع وبصر ، على القوة ؛ وفي النهار تستنفد تلك القوى وتصرفها . وهكذا فإن الأضداد كلها تبدو أضدادا في مقياسنا ، وأما في نظر الحكيم فإنها جميعا تعمل عملا واحدا ، وليست متضادة . أرني في هذه الدنيا شيئا سيئا ليس فيه شئ حسن ، وشيئا حسنا ليس فيه شئ سيئ . خذ لذلك مثلا ، قصد أحدهم أن يقتل ، ولكنه انشغل بالزنا ، وهكذا لم يرق دما . وهكذا فإن فعل الزنا هذا من وجهة أنه زنا شئ سييىء ، أما من وجهة أنه مانع للقتل فحسن .
والخلاصة أن السوء والحسن شئ واحد لا يتجزأ . ومن هذه الوجهة لنا بحث مع المجوس . فهم يقولون : إن هناك إلهين ، أحدهما خالق للخير ، والآخر خالق للشر . والآن أظهر لي أنت خيرا من دون شر ، لكي أقر بأن هناك إلها للشر وإلها للشر وإلها للخير .
وهذا محال لأن الخير لا ينفصل عن الشر . ما دام الخير والشر ليسا اثنين ، وليس بينهما انفصال ، فإن وجود خالقين محال . ألم
فيه ما فيه — صفحة 314
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٣١٤