وهكذا إذا آنست في نفسك طلب الحق ، فكن دائما آتيا وذاهبا ولا تقل : " ما الفائدة في هذا الذهاب ؟ " - فالزم الذهاب ، وستظهر الفائدة من نفسها ، فذهاب الإنسان إلى الدكان لا فائدة له سوى عرض الحاجة . الحق تعالى يرزق ؛ أما إذا جلس الإنسان في البيت ، فإن هذه دعوى استغناء ، ولن ينزل الرزق .
وتأمل الرضيع الذي يصرخ ، فتعطيه أمة الحليب . لو قدر أن يفكر : " ما الفائدة في بكائي وما السبب لإعطائها الحليب ؟ " لبقى من دون حليب . وهكذا ندرك أنه لذلك السبب يصل إله الحليب . وهكذا إذا استغرق الإنسان في التساؤل : " ما الفائدة في هذا الركوع والسجود ؟ ولم أقوم بهما ؟ .
عندما تقدم الطاعة بين يدي أمير أو رئيس ، في ضرب من الركوع والانحناء ، فإن ذلك الأمير يعاملك بالرحمة ويعطيك لقمة . ذلك الشئ الذي يجعل الرحمة في قلب الأمير ليس جلد الأمير ولحمه . بعد الموت يظل ذلك الجلد وذلك اللحم موجودين ، مثلما هي الحال عندما ينام الأمير ويكون في غفلة ، لكن تلك الطاعة والخدمة التي تؤديها له تضيع عنده . وهكذا نستيقن أن الرحمة التي في الأمير ليست شيئا يمكن إدراكه ورؤيته . فإذا كان ممكنا لدينا أن نطيع ونخدم في الجلد واللحم شيئا لا نراه ، فإن كان ممكنا أيضا في حال ذلك الذي لا جلد له ولا لحم ولو كان ذلك الشئ الذي في الجلد واللحم غير خفى ، لكان أبو جهل والمصطفى شيئا واحدا ؛ ومن ثم لا فرق بينهما .
فيه ما فيه — صفحة 317
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٣١٧