ولكنه عاد فنسب إليه أنّه نصب إلى جانب النار صنماً ، وأمر الناس بالسجود له . وليس من اليهودية في شيء عبادة الأصنام . فهل كان هذا الملك الحميري غير متعمق في دينه ، فأبقى على بعض مظاهر الوثنية ؟
ومن الممكن أيضاً أنْ يكون الصنم المقصود هنا رمزاً للهوى الذي سيطر على الملك ، فحاول أن يخضع الناس له . وهذا المعنى الرمزي يتضح في البيت التالي ( 771 ) وفيه يقول : « إنّ الملك - لما لم يوقع بصنم النفس ما هو أهل له من الهلاك - تولّد من صنم نفسه صنم آخر » . وقبل ذلك قال القشيري : « وصنم كل إنسان نفسه فمن خالف هواه فهو فتى على الحقيقة » . ( الرسالة ، ص 103 ) .
( 772 ) النفس هي أم الشرور والآثام . هي التي تصنع للإنسان الأصنام وتدفعه إلى تقديسها . ومن الأصنام ما هو ماديّ ، ومنها ما هو معنوي . وكلها لا خطر لها لولا تعلّق النفس بها .
( 773 - 774 ) في هذين البيتين صورة جميلة تبين انبثاق الشرور من النفس .
فقد شبّهها الشاعر بالحجر والحديد اللذين تتولد النار من احتكاكهما .
فالشرر المنبثق يمكن اطفاؤه بالماء . ولكن هل يستطيع إنسان أنْ يطفئ النار الكامنة في كل من الحجر والحديد ؟
( 775 ) الصنم قدر محدود من الشر يمكن القضاء عليه ، أما النفس فنبع يفيض بالشرور ، فهي التي صنعت الصنم وما شاكله .
( 778 ) يصل الشاعر هنا إلى النتيجة التي قدّم لها في أبياته السابقة على هذا البيت ، وهي أنّ الصنم يمكن التخلص منه . ولكنّ الصعوبة هي في السيطرة على النفس وإخضاعها . ( انظر ما كتبه الجيلي عن النفس في كتاب الإنسان الكامل ص 39 ) ، وقد قدم لحديثه عنها بقوله : « إنّها محتد إبليس ومن تبعه من الشياطين من أهل التلبيس » .
( 779 - 780 ) ينتقل الشاعر هنا إلى الحديث عن أثر النفس بعد أنْ تكلم عن طبيعتها . إنّها مهلكة كجهنم ذات الأبواب السبعة . ولها في
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 478
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٤٧٨