المعرفة البشريّة على أساس ملكات إنسانيّة ثلاث هي العقل والذاكرة والخيال ، وجال الخيال مصدر الشعر فكان ذلك خروجاً على مذهب المحاكاة الأرسطيّ .
وقد يكون من الطريف أن نذكر هنا مثالًا لشعر الوجد الصوفيّ عند جلال الدين ، وهو الذي يمكن أن يُعدّ من شعر اللاوعي . قال في ديوان شمس تبريز :
« هذه الدار التي لا تفتر فيها الألحان ، سل ربّها أيّ دار هذه ؟
إن كانت الكعبة فما صورة الصنم هذه ؟ وإن كانت دير المجوس فما هذا النور الإلهي ؟
في هذه الدار كنز يضيق به العالم ، وإنما هذه الدار وهذا السيّد ( رب الدار ) فعل وذريعة .
لا تَضع على الدار يداً فما هي إلا طلسم ، ولا تُكلّم السيد فقد أفنى الليل سُكراً .
تراب هذه الدار وقمامتها مسك وعنبر وعطر . كل سطحها وبابها شعر وألحان . فمن وجد سبيلًا فيها فهو سلطان الأرض وسليمان الزمان .
أيها السيد ! أطلَّ علينا من الشرفة ، فإن في خدك الجميل أمارة من الإقبال .
أقسم بروحك أن ما عدا رؤية وجهك ، ولو كان ملك العالم ، خيال وخرافة .
تحيّر البستان أي ورق وأي زهر ! وولهت الطير أي شبك وأي حَبّ !
المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 29
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٢٩